جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٤ - أوّلًا ما يحرم على الجنب
..........
بل لعلّ الظاهر منه القول بالحرمة فيه، قال: «و المكروهات الأكل و الشرب» إلى أن قال: «و المسجد الحرام و مسجد النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يدخلهما على حال، فإن كان في واحد منهما فأصابه احتلام خرج منهما بعد أن تيمّم من موضعه، و يكره مسّ المصحف» [١]. فإنّ مقتضى عدم عطفه له على المكروهات بل ذكر النهي عنه بالخصوص الحرمة، كما هو واضح.
و كيف كان، فيدلّ عليه- مضافاً إلى ذلك [الإجماع المنقول]-: المعتبرة المستفيضة المشتملة على الرخصة في الاجتياز فيما عدا المسجدين [٢]، المعتضدة بإطلاق النهي عن المرور في غيرها. و بذلك كلّه يقيّد إطلاق الآية و غيرها الدالّة على جواز الاجتياز في سائر المساجد.
ثمّ إنّ ظاهر بعض الأدلّة المتقدّمة و غيرها- كقول الباقر (عليه السلام) في خبر أبي حمزة الثمالي في حديث: «إنّ اللّٰه أوحى إلى نبيّه أن طهّر مسجدك- إلى أن قال:- و لا يمرّ فيه جنب» [٣]. و قول الصادق (عليه السلام) في الحسن: «للجنب أن يمشي في المساجد كلّها و لا يجلس فيها، إلّا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)» [٤]- عدم جواز مطلق الدخول للمسجدين سواء كان للاجتياز أو لأخذ المتاع، و من هنا قال في الغنية: إنّه «ليس له دخولهما على حال» إلى أن قال: «كلّ ذلك بدليل الإجماع» ٥.
فما يقال: إنّ إطلاق الأصحاب بجواز الأخذ من المساجد شامل للمسجدين، و تنصيصهم على حرمة الاجتياز [في المسجدين] لا يقضي بحرمته، ضعيف؛ لظهور أنّ تنصيص الأصحاب على ذلك إنّما هو لمكان كون الاجتياز ممّا لا إشكال في حلّيته بالنسبة إلى سائر المساجد، و الأخذ و إن كان كذلك لكنّه ليس بتلك المكانة من الوضوح، فأرادوا التنصيص على حرمة واضح الحلّية [و هو الاجتياز] بالنسبة إلى غيرهما [غير المسجدين] ليستفاد غيره [غير الاجتياز] بالأولى، سيّما بعد اشتمال الروايات عليه. و أيضاً قد عرفت أنّ ابن زهرة قال: «لا يجوز دخولهما على حال» كابن إدريس في السرائر و كذا ابن فهد في موجزه [٦]، و أصرح منه عبارة ابن البرّاج في المهذّب؛ فإنّها كالصريحة في عدم جواز الدخول للأخذ، و نحوها عبارة المصنّف في المعتبر [٧]. و ما عساه يقال: إنّ ما دلّ على جواز الأخذ شامل بإطلاقه المسجدين، كما أنّ النهي عن المرور في المسجدين و المشي و نحوهما أيضاً شامل للدخول للأخذ و غيره، فيكون التعارض بينهما تعارض العموم من وجه، مع ترجيح الأوّل بأصالة براءة الذمّة و نحوها. مدفوع: بأنّه لو سلّم ذلك لكان الترجيح للثانية؛ لصراحتها و كثرتها، مع اعتضادها بإجماع الغنية و مناسبة التعظيم، بل قد يشعر حرمة الاجتياز فيهما بحرمة غيره بطريق أولى، على أنّه ما دلّ على الأخذ إنّما سيق لبيان مطلق جواز الأخذ، لا أنّه مساق لبيان جواز الأخذ من سائر المساجد، كما لا يخفى على من لاحظها.
[١] ١، ٥ المبسوط ١: ٢٩. الغنية: ٣٧.
[٢] انظر الوسائل ٢: ٢٠٥، ب ١٥ من الجنابة.
[٣] المصدر السابق: ح ١.
[٤] المصدر السابق: ٢٠٦، ح ٤.
[٦] السرائر ١: ١١٧. الموجز الحاوي (الرسائل العشر): ٤٣.
[٧] المهذّب ١: ٣٤. المعتبر ١: ١٨٨.