جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠٩ - سنن التكفين
..........
اللّهم إلّا أن يقال- بعد ثبوت الجواز من الأصل السالم عن المعارض؛ للقطع بعدم الإهانة بمثل ذلك، بل هو تعظيم عند التأمّل، و احتمال ترتّب النفع المقصود بالتكرير عليه سيّما بعد ذكر بعض الأصحاب استحبابه و ثبوته فيما عرفت من القطع الثابتة-:
لا بأس بفعله، و لا مانع منه. و ما عساه يقال: إنّه لم يعلم ترتّب النفع على الفعل الذي لم يحرز المكلّف النفع عليه و إن كان في الواقع هو كذلك؛ لعدم تأثير المصادفة الاتفاقية، مدفوع في أمثال المقام ممّا كان ترتّب النفع عليه إنّما هو من الخواص التي لا مدخليّة للقصد و النيّة فيها.
و كذا ما يقال من احتمال تلوّث ما يجب احترامه من المكتوب بالنجاسة و نحوها؛ إذ هو- مع أنّه ينفى بأصالة عدمه- يمكن القول به حتى مع العلم بالتلوّث؛ لانتفاء تحقّق الإهانة المنافية للتعظيم التي هي منشأ الحرمة في أمثال ذلك، مع قصد التبرّك و استدفاع العذاب و جلب الرحمة و الرضوان.
و احتمال القول: إنّ المدار في الإهانة و هتك الحرمة و نحوهما على الفعل الظاهر فيها عرفاً في حدّ ذاته، و لا مدخلية لقصد التبرّك و نحوه في رفع ذلك؛ إذ لا ريب في تحقّقها بوضع شيء من المحترمات في الدبر و نحوه و إن قصد الاستشفاء و التبرّك. أو القول بأنّ تجنيب هذه المحترمات النجاسة و نحوها غير منحصر في هتك الحرمة و منافاة التعظيم، و إن كان ربّما كان ذلك حكمةً، بل لها أدلّة اخر شاملة بظاهرها لما قصد به التبرّك و عدمه، فيكون التعارض حينئذٍ بينها و بين ما دلّ على التبرّك و نحوه بها تعارض العموم من وجه. ضعيف، بل ممنوع.
أمّا أوّلًا: فلتبعيّة الأفعال للقصود قطعاً كما هو المشاهد في العرف.
و أمّا ثانياً: فللحكم بالخصوص فيما نحن فيه من أهل العرف أنّه لا شيء فيه من التحقير و الإهانة، بل هو تعظيم و زيادة احترام.
و لعلّ ما ذكر من المثال إنّما هو لعدم التبرك بها على النحو المتعارف فيه من الأكل و نحوه؛ لكون الانتفاع بها إنّما هو بالخاصية، فلا حاجة إلى وضعها حينئذٍ في هذه الأماكن الرديّة، أو لأنّ قبح هذه الصورة بخصوصها لا يضمحلّ بقصد التبرّك و الاستشفاء و نحوهما.
و أمّا ثالثاً: فقد تقدّم في محلّه أنّه لا دليل يعتمد عليه في وجوب تجنيب هذه الامور المحترمة النجاسات و نحوها غير التعظيم و الاحترام و حرمة التحقير و الإهانة.
على أنّه- بعد التسليم- يمكن القول بترجيح ما نحن فيه بوجوه غير خفيّة، فتأمّل جيّداً، فإنّ المسألة غير خاصّة بنحو المقام، بل هي فيه و فيما سيأتي من المكتوب و ما يكتب به و غيرهما.
فظهر من ذلك كلّه أنّه لا مانع من فعله حينئذٍ، بل ربّما قيل: إنّه راجح و مستحبّ عارضاً؛ للقطع العقلي برجحانية ما يفعله العبد؛ لاحتمال حصول رضا سيّده و طلبه لذلك، و عليه بني التسامح في أدلّة السنن، و لنا فيه بحث مذكور في محلّه. نعم قد يقال بالاستحباب إن قلنا بأنّ فتوى الفقيه نوع من البلوغ حتى يشمله عموم «من بلغه»، أو لعمومات التبرّك و استدفاع البلاء بها إن كانت موجودة، و إلّا كان للتأمّل في استحبابه مجال، بل و في جواز ما يقطع بتلوّثه ممّا يجب احترامه منه بما ينافيه.