جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٧١ - سنن الدفن
..........
قلت: و يؤيّد دعوى الإجماع في المقام هو أنّا لم نعثر على مخالف محقّق من الأعلام.
و ما في الغنية- من الاقتصار على ذكر استحباب أن يكون عمق القبر قدر قامة إلى أن ادعى الإجماع من دون ذكر للفرد الآخر [١]- ليس خلافاً عند التأمّل.
كما أنّ الاقتصار فيما ورد من الأخبار على الترقوة لا ينافي ما سمعت من معاقد الإجماعات على التخيير. كخبر ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام)، قال: «حد القبر إلى الترقوة- و قال بعضهم: إلى الثدي، و قال بعضهم: قامة الرجل حتى يمدّ الثوب على رأس من في القبر، و أمّا اللحد فبقدر ما يمكن فيه الجلوس، قال:- و لمّا حضر علي بن الحسين (عليهما السلام) الوفاة قال: احفروا لي حتى تبلغوا الرشيح» [٢].
قيل: «و الظاهر أنّ ذلك من محكيّ ابن أبي عمير؛ لأنّ الإمام (عليه السلام) لا يحكي قول أحد» [٣].
قلت: فيحتمل حينئذٍ إرادته بالبعض أحد الأئمة (عليهم السلام) أو بعض أصحابه عنهم (عليهم السلام)، بل لعلّه الظاهر؛ إذ احتمال إرادته بعض العامّة ضعيف، مع أنّه قد يشهد له أيضاً ما رواه الكليني عن سهل بن زياد، قال: روى أصحابنا أنّ «حدّ القبر» و ذكر نحوه [٤]، و هو كالصريح فيما قلناه.
و يحتمل أن يكون ذلك من محكيّ الصادق (عليه السلام) كما عساه يؤيّده ما عن الصدوق أنّه رواه عن الصادق (عليه السلام) مرسلًا إلى قوله: «فيه الجلوس» [٥]. و لا ضير في حكاية الإمام (عليه السلام) أقوال بعض العامّة.
و كيف كان، فالعمدة في الاستدلال ما عرفته من الإجماعات السابقة، و لا ينافيها ما سمعت من أمر عليّ بن الحسين (عليهما السلام) بالحفر إلى الرشيح؛ إذ لعلّ بلوغه ذلك يحصل بالمقدار المزبور.
و يؤيّده ما قيل: إنّ أرض البقيع كذلك ٦.
كما أنّه لا ينافيه أيضاً ما في خبر السكوني عن الصادق (عليه السلام): «أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى أن يعمق القبر فوق ثلاث أذرع» ٧، بل لعلّه يؤيّده؛ لظهور تقارب الثلاث للمقدار المتقدّم، فيستفاد منه حينئذٍ كراهة التعميق زائداً على ذلك لحمل النهي عليه قطعاً، أو يقال باختصاص ذلك في أرض المدينة؛ لبلوغ الرشيح فيها، أو غير ذلك.
نعم، قد ينافيه ما في خبر أبي الصلت عن الرضا (عليه السلام) في حديث أنّه قال: «سيحفر لي في هذا الموضع، فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل، و أن يشقّ لي ضريحه، فإن أبوا إلّا أن يلحدوا، فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين و شبراً، فإنّ اللّٰه ليوسّعه إلى ما يشاء» [٨]. من حيث ظهور زيادة ذلك على القامة. اللّهم إلّا أن يحمل على ذلك بتقارب المراقي بعضها من بعض، أو على وجه آخر، فتأمّل.
[١] الغنية: ١٠٦.
[٢] ٢، ٧ الوسائل ٣: ١٦٥، ب ١٤ من الدفن، ح ٢، ١.
[٣] ٣، ٦ الذكرى ٢: ١٤.
[٤] الكافي ٣: ١٦٥، ح ١. الوسائل ٣: ١٦٥، ب ١٤ من الدفن، ذيل الحديث ٢.
[٥] الفقيه ١: ١٧١، ح ٤٩٩. الوسائل ٣: ١٦٥، ب ١٤ من الدفن، ذيل الحديث ٢، و فيهما: «الجلوس فيه».
[٨] الوسائل ٣: ١٦٧، ب ١٥ من الدفن، ح ٤.