جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٠ - ما لا يجوز التكفين به
و أمّا غيره (١) [فقد يقال بأنّه يقدّم الجلد ثمّ الحرير ثمّ وبر غير المأكول].
نعم، قد يستشكل في وجوب ذلك الترتيب المتقدّم، و إن كان ربّما يقوى في النفس التخيير بين المتنجّس و بين جلد ما يؤكل لحمه، و تقديمهما معاً على الحرير و جلد ما لا يؤكل لحمه و شعره و وبره، و التخيير بينهما، مع احتمال تقديم الحرير فيهما خاصة، كاحتمال تقديم المتنجّس في الأوّلين، سيّما مع قلّة النجاسة و عدم تلويثها.
و ينبغي القطع بوجوب ستر العورة في سائر ما ذكر و إن قلنا بالمنع من التكفين بها، بناءً على وجوب سترها لو تمكّن منه خاصة بالاختياري كما تقدّم (٢).
(١) فقد قال في الذكرى: «إنّ فيه وجوهاً ثلاثة: المنع لإطلاقه، و الجواز لئلّا يدفن عارياً مع وجوب ستره و لو بالحجر، و وجوب ستر العورة حالة الصلاة ثمّ ينزع بعد، و حينئذٍ فالجلد مقدّم؛ لعدم صريح النهي فيه، ثمّ النجس لعروض المانع، ثمّ الحرير لجواز صلاة النساء فيه، ثمّ وبر غير المأكول. و في هذا الترتيب للنظر مجال؛ إذ يمكن أولوية الحرير على النجس؛ لجواز صلاتهنّ فيه اختياراً» [١] انتهى.
و فرّق في البيان بين الجلد الذي تجوز فيه الصلاة و بين غيره من الحرير و الجلود التي لا تصح فيها الصلاة و الأشعار و الأوبار و النجس، فأجاز الأوّل مع التعذّر و نظر في غيره [٢]. و استظهر في جامع المقاصد الفرق بين النجس و غيره، فأجاز الأوّل لعدم وجوب نزعه عن الميّت لو استوعبت النجاسة و تعذّر غسلها و قرضه، و لأنّه آئل إلى النجاسة عن قريب فأمره أخف. و منع في الثاني تمسكاً بإطلاق ما دلّ على المنع منهما من مفهوم الموافقة الحاصل من الأمر بالنزع عن الشهيد في الجلود، و ممّا عرفته سابقاً في الحرير، قال: «و جواز صلاة النساء فيه لا يقتضي جواز التكفين به؛ لعدم الملازمة، على أنّه لو تم لزم اختصاص الحكم بالنساء، و وبر غير المأكول أبعد من الجميع» إلى أن قال: «و لو اضطر إلى ستر عورته حال الصلاة و لم يوجد غير الممنوع منه أمكن الستر بأحد الأشياء الممنوعة من غير ترتّب؛ لعدم الدليل عليه، مع احتمال وضعه في القبر على وجه لا ترى عورته ثمّ يصلّى عليه» [٣] انتهى. و فرّق في الرياض بين ما منع منه للنهي كالحرير، و بين غيره ممّا منع منه لعدم الدليل، فاستوجه المنع في الأوّل لإطلاق النهي، و في الثاني الجواز للأصل، و انتفاء المانع؛ لاختصاصه بصورة وجود غيره ممّا يجوز التكفين به. ثمّ قال: «و أمّا الوجوب فمشكل؛ لعدم الدليل، لعدم الإجماع فيه، و اختصاص الأمر بالتكفين في الأخبار- بحكم التبادر- بغيره» [٤] انتهى.
قلت: و لعلّ هذا بناء منه على إجمال التكفين و أنّ له مسمّى شرعيّاً، ليتوجّه جريان أصالة البراءة حينئذٍ مع الشكّ في اندراجه تحت الكفن، و لا وجوب للاحتياط هنا؛ لفرض وقوع الشكّ في الشغل لا في المشغول به، و إلّا فبناءً على ما ذكرنا من التحقيق من بقائه على المعنى اللغوي و أنّ ما اعتبر فيه من قبيل الشرائط، فمع فرض ظهور ما دلّ على اشتراطها بصورة الاختيار لا مناص حينئذٍ عن الوجوب؛ للأمر به. و دعوى انصرافه إلى غير ذلك فيتمسك بأصالة البراءة حينئذٍ كالأوّل، ممنوعة.
(٢) إذ ليس ذا من التكفين بشيء حتى يمنع منه، و لا يدخل تحت النهي عن لبس الحرير.
[١] الذكرى ١: ٣٥٥.
[٢] البيان: ٧٢.
[٣] جامع المقاصد ١: ٣٨٠.
[٤] الرياض ٢: ١٧٧- ١٧٨.