جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٣٧ - غسل الجمعة
..........
نعم، إنّما عُرِف ذلك من المصنّف و العلّامة [١] و من تأخّر عنهما، فنسبوا القول بالوجوب إلى الصدوقين، حيث قالا:
«و غسل الجمعة سنّة واجبة فلا تدعه» كما عن الرسالة و المقنع، و نحوه الفقيه و الهداية [٢] لكن مع ذكر رواية الرخصة في تركه للنساء في السفر لقلّة الماء [٣]، بل و الكليني؛ حيث عقد في الكافي باباً لوجوب ذلك [٤] مع احتمال إرادة السنّة الأكيدة اللازمة كالأخبار [٥]، كما يومئ إليه أنّه وقع ما يقرب من ذلك ممّن علم أنّ مذهبه الندب، مضافاً إلى ما عرفته سابقاً؛ إذ المتقدّمون بعضهم أعرف بلسان بعض.
و يزيده تأييداً بل يعيّنه ما حكي عن ظاهر الصدوق في الأمالي من القول بالاستحباب مع نسبته له إلى الإمامية [٦]، و لا ريب أنّ الكليني و والده من أجلّاء الإمامية، مع أنّهما عنده بمكانة عظيمة جدّاً سيّما والده، بل و الكليني أيضاً؛ لأنّه استاذه، هذا.
على أنّ قولهما: «سنّة واجبة» إن حمل فيه لفظ «السنّة» على حقيقته في زمانهما و نحوه من الاستحباب كانت عبارتهما أظهر في نفي الوجوب.
و كيف كان، فالمختار الأوّل، و عليه استقرّ المذهب:
١- للأصل.
٢- و الإجماع المحكيّ، بل المحصّل.
٣- و السيرة المستمرّة المستقيمة في سائر الأعصار و الأمصار.
و كيف؟! و لو وجب لاشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار؛ لعموم البلوى به حينئذٍ؛ إذ هو أعظم من غسل الجنابة و الحيض و غيرهما؛ لملازمة إدراك الجمعة لكلّ أحد دونهما.
٤- و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة- بعد أن سأله عن غسل يوم الجمعة-: «سنّة في السفر و الحضر، إلّا أن يخاف المسافر على نفسه الضرر» [٧].
و لفظ «السنّة» إن لم تكن حقيقة فيما قابل الواجب- كما هو الأقوى، سيّما في زمن الأئمّة (عليهم السلام)، و يرشد إليه أنّ عرف المتشرّعة عنوان عرف الشارع- فلا أقلّ من الاشتراك بينه و بين الواجب بالسنّة دون الكتاب، و يعيّن إرادة أحد المعنيين بما ذكرنا، مضافاً إلى ظهور سؤال مثل زرارة في ذلك، لا عن أصل مشروعيّته، و لا عن كونه فرضاً أو واجباً بالسنّة، مع عدم ظهور آية في كتاب اللّٰه يشتبه منها وجوبه حتى يكون من الأوّل؛ إذ زرارة أجلّ من ذلك. بل المتّجه إرادة ما ذكرنا من لفظ السنّة هنا، حتى لو قلنا بمجازيّته فيه؛ لما عرفته من القرينة بل القرائن عليه. و كذا لو منع أصل النقل من لفظ السنّة و ابقي على المعنى اللغوي- و هو الطريقة- كان المفهوم منه إرادة الندب أيضاً، فتأمّل.
[١] المعتبر ١: ٣٥٣. المنتهى ٢: ٤٦٠.
[٢] نقله عن الرسالة في مصابيح الأحكام: ١٥٠. المقنع: ١٤٤. الفقيه ١: ١١١، ذيل الحديث ٢٢٧. الهداية: ١٠٢.
[٣] الوسائل ٣: ٣١٥، ب ٦ من الأغسال المسنونة، ح ١٧.
[٤] الكافي ٣: ٤١.
[٥] انظر الوسائل ٣: ٣١١، ب ٦ من الأغسال المسنونة.
[٦] الأمالي: ٥١٥.
[٧] الوسائل ٣: ٣١٤، ب ٦ من الأغسال المسنونة، ح ١٠، و فيه: «القرّ» بدل «الضرر».