جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٧ - أقلّ الحيض و أكثره
..........
و أمّا ثانياً: فبدعوى أنّ الاستحاضة من الامور المرتّبة على عدم الحيض، فيكون حينئذٍ شرطها عدمياً، فلا مانع حينئذٍ من التمسّك بأصالة عدم الحيض مع الحكم بالاستحاضة، و لعلّه الظاهر من تصفّح كلماتهم و أخبار الباب؛ للحكم بالاستحاضة بمجرّد انتفاء الحيض. و لم نعهد أحداً منهم عارض أصالة عدم الحيض بأصالة عدم الاستحاضة لا في المقام و لا في غيره. و من هنا تعرف أنّ الاستحاضة أصل بعد انتفاء الحيض حتى يعلم أنّه من قرحة أو نحوها.
و أمّا ثالثاً: فبعد التسليم فلا ينقطع جملة ممّا ذكرنا، كاستصحاب بقاء قابليّتها للتكليف و العمومات و نحوها؛ إذ الاستحاضة لا ترفع ذلك بخلاف الحيض، على أنّه يمكن التمسّك بأصالة البراءة من الزائد عند اختبار الدم و رؤيته قليلًا بحيث لو كان استحاضة لكان صغرى؛ لكون الغسل تكليفاً زائداً.
و أمّا رابعاً: فالمتعيّن عليها حينئذٍ الاحتياط بترك المكث في المساجد و نحو ذلك من أفعال الطاهرة، بل الظاهر أنّه حينئذٍ يجب عليها الاغتسال و الصلاة و الصوم ثمّ الصوم بدله.
لا يقال: إنّ الاحتياط غير ممكن بالنسبة للصلاة و الصوم؛ لكون تركها عزيمة على الحائض.
لأنّا نقول: أوّلًا: نمنع الحرمة الذاتية و إنّما هي تشريعية ترتفع بالاحتياط.
و ثانياً: أنّ الظاهر من الأصحاب ترجيح الفعل هنا على الترك كما في نظائر المقام، و لعلّه لأنّ مراعاة الوجوب في نحو الصلاة أهمّ من مراعاة الحرمة أو لغير ذلك. و مع التنزّل عن ذلك كلّه فالقاعدة تقتضي التخيير، مع أنّه لا يلتزم أحد من الأصحاب بشيء من ذلك لا القائلين بالتوالي و لا بعدمه.
و كيف كان، فلا ريب في صحّة ما ذكرنا من الاصول و القواعد [على اعتبار التوالي]. نعم، لا يتّجه الاستدلال على ما نحن فيه بتبادر التوالي من قوله (عليه السلام): «أدنى الحيض ثلاثة أيام» [١]، كما وقع من صاحب المدارك [٢] و غيره.
أمّا أوّلًا: فلمنع ذلك كما يوضّحه تعلّق النذر و اليمين.
و أمّا ثانياً: فلأنّه إنّما يتّجه لو قلنا بكون المتخلّل من النقاء- بناءً على عدم اشتراط التوالي- طهراً، و هو غير معلوم، بل المعلوم عدمه كما سيجيء؛ لما عرفت من الإجماعات على أنّ أقلّ الطهر عشر، فتعيّن أنّ الجميع حيض. فليس الاستدلال في محلّه؛ إذ الكلام حينئذٍ يرجع إلى اشتراط التوالي في الثلاثة الاول من أكثر الحيض مثلًا أم لا، و إلّا فالأقلّ لا بدّ فيه منه إجماعاً.
لا يقال: إنّ قوله (عليه السلام): «أدنى الحيض ثلاثة أيام» ظاهر في إرادة وجود الدم، فلا عبرة بالمحكوم بكونه حيضاً كالبياض المتخلّل.
لأنّا نقول: بعد التسليم أنّه مخصوص بالأقلّ [أي الثلاثة الاول من العشرة] و لا كلام لنا فيه؛ إذ نحن نشترط في الأقلّ ذلك، فتأمّل. على أنّ قوله بعده: «و أكثره عشرة» يشعر بخلافه؛ لعدم اشتراط توالي الدم فيها قطعاً.
و كيف كان، فهل يشترط في الحيض ذلك [توالي الدم] لما ذكرنا [أم يكفي كونها في جملة العشرة]؟
[١] الوسائل ٢: ٢٩٦، ب ١٠ من الحيض، ح ١٠، و فيه: «أدنى الحيض ثلاثة».
[٢] المدارك ١: ٣٢٠.