جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٢٣ - المسألة الأولى عدم جواز نبش القبور
..........
و الأقوى الأوّل؛ لإطلاق أو عموم ما دلّ على حرمة النبش من الإجماعات السابقة و غيرها، سيّما ما في المعتبر من دعوى إجماع المسلمين على حرمته إلّا في صور أربع [١] و لم تكن هذه منها. و لعلّ غيره كذلك أيضاً.
هذا إن لم نقل إنّه الموافق لأوامر الدفن المراد منها بعده استدامته كما تقدّم تحقيقه سابقاً، فلاحظ.
و قد استدلّ بذلك- أي بحرمة النبش- جماعة من الأصحاب منهم العلّامة و الشهيد و المحقّق الثاني [٢] و غيرهم، بل لا دليل لهم سواه كما اعترف به بعضهم [٣].
و اعترضه في المدارك و الرياض [٤] تبعاً لمجمع البرهان [٥] بخروجه عن محل النزاع؛ إذ المراد هنا النقل بعد الدفن من حيث هو كذلك من دون نظر إلى النبش، فربّما يقع منه و هو محرّم، و قد لا يكون كذلك كما إذا وقع بفعل غير المكلّف أو بفعله خطأ أو نسياناً.
و فيه: أنّه لا يخفى على الملاحظ لكلمات الأصحاب أنّ محل النزاع في ذلك إنّما هو من حيث النبش كما يشعر به استدلالهم عليه به، بل جعله بعضهم [٦] من الصور المستثناة منه.
نعم، قد يظهر من عبارة المتن- كالقواعد [٧]- كون حرمته لنفسه لا من حيث النبش؛ لمكان عطفهما له عليه.
و لعلّهما أرادا التنصيص عليه؛ لوقوع الجواز في كلام بعض [٨] من تقدّمهما، فيكون حينئذٍ من عطف الخاصّ على العام، أي لا يجوز مطلق النبش و لا النبش للنقل.
كما أنّ مراد من أطلق حرمة النقل بعد الدفن إنّما هو الغالب من توقّفه على النبش غالباً، و أنّ من جوّز أراد جواز النبش لذلك، و إلّا فلم نقف على ما يدلّ على المنع منه بحيث يختصّ به على النقل سابقه حتى يحصل الفرق بينهما في الجواز و عدمه؛ إذ هو- مع قطع النظر عن النبش- ميّت لم يدفن، فيجري ما يجري فيه من الأحكام، و مجرّد وضعه في حفرة آناً ما ثمّ اخرج منها و بقي مكشوفاً لم يقلب حكمه.
اللّهم إلّا أن يقال: إنّه لمّا دفن لم تبق مصلحة في نقله من حيث وقوع السؤال له و رؤيته تلك الأهوال و نحو ذلك.
و فيه- مع أنّه لا يقضي بالحرمة؛ إذ أقصاه أنّه يكون كالنقل قبل الدفن إلى ما لا صلاح للميّت فيه في الكراهة-: أنّه لا تنحصر المصالح و المفاسد بذلك، و كيف؟! و منها الشفاعة في يوم القيامة، أو تخفيف ما هو فيه و نحو ذلك.
أو يقال: إنّ في نقله من نفس القبر هتكاً للحرمة و مثلة به، بخلافه قبل الدفن؛ فلذا يحكم بالحرمة من دون نظر إلى النبش.
و فيه- مع أنّه ممنوع، بل هو مساوٍ له قبله في كلّ ما يفرض-: أنّه ينبغي أن تخصّ حينئذٍ الحرمة بما إذا كان النقل من نفس القبر، أمّا لو كان من غيره كما لو اتفق أنّه نبشه نابش فأخرجه عن قبره فلا، بل اللازم اختصاصها بذلك الآن الذي اخرج منه، أمّا بعد خروجه و إرادة نقله فلا. و كيف كان فالأقوى [ذلك].
[١] المعتبر ١: ٣٠٨.
[٢] التذكرة ٢: ١٠٢. الذكرى ٢: ١٢. جامع المقاصد ١: ٤٥١.
[٣] الرياض ٢: ٢٤٦.
[٤] المدارك ٢: ١٥٥. الرياض ٢: ٢٤٦.
[٥] مجمع الفائدة و البرهان ٢: ٥٠٤.
[٦] الموجز الحاوي (الرسائل العشر): ٥٢.
[٧] القواعد ١: ٢٣٤.
[٨] المبسوط ١: ١٨٧.