جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٢٤ - المسألة الأولى عدم جواز نبش القبور
[و الأقوى] الجواز مع قطع النظر عن النبش، فيكون كما لو لم يدفن، فيقيّد عندنا حينئذٍ بما لم يكن فيه هتك لحرمته من خروج رائحة و نحوها. كما أنّ الأقوى العدم مع النظر إليه (١)، سيّما إذا كان مع ذلك متضمّناً
(١) لما عرفت من الأدلّة على حرمته.
و ما يقال: إنّ دليله الإجماع و هو مفقود في محل النزاع فالأصل الجواز، ضعيف؛ لما عرفته من إطلاق الإجماعات المنقولة، بل إطلاق أوامر الدفن و غير ذلك. و مثله ما يقال من تقييد هذه الأدلّة في خصوص ما نحن فيه بالرواية المرسلة [١] على لسان من عرفت، و بالأخبار السابقة المتضمنة لنقل نوح عظام آدم على نبيّنا و آله و (عليهما السلام) إلى الغري [٢] و موسى يوسف على نبيّنا و آله و (عليهما السلام) إلى الشام [٣]، و كونه فعل الشرع السابق قد عرفت دفعه.
كلّ ذا، مع التأييد بما فيه من صلاح الميّت و دفع الضرر عنه بمجاورته من هو أهل لجلبه و دفعه، بل قد يتمسّك بإطلاق ما دلّ على استحباب الدفن في أراضيهم و جوارهم الشامل لما بعد الدفن أيضاً، و هو إمّا خاصّ بالنسبة إلى حرمة النبش أو من وجه، و الترجيح له بما عرفت، و بما نقل عن جملة من علمائنا أنّهم دفنوا ثمّ نقلوا كالمفيد من داره بعد مدّة إلى جوار الكاظمين (عليهما السلام) [٤]، و المرتضى من داره إلى جوار الحسين (عليه السلام) [٥]، و البهائي من أصبهان إلى المشهد الرضوي [٦] على مشرّفه السلام، و قد كان في مثل هذه الأوقات من الفضلاء ما لا يحصي عددهم إلّا اللّٰه، سيّما في زمن المفيد و المرتضى مع شدّة قربه أيضاً لزمان الأئمة (عليهم السلام) و المعاصرين للمعاصرين لهم.
و فيه: أنّه لا ينطبق على اصولنا؛ إذ تقييد تلك الأدلّة مع تعدّدها و تأيّدها بمثل هذه الرواية المرسلة التي لا جابر لها، بل عرفت عمل المشهور على خلافها، بل ظاهر من أرسلها عدم الالتفات إليها في النهاية، كما أنّه في غيرها جعل العدم أفضل و أحوط.
و كذا الخبران الآخران، مع إمكان اختصاصهما بمضمونهما، و عدم القصد من النقل التعليم، كما لعلّه الظاهر في خصوص المقام، و احتمال تنزيل خبر نوح (عليه السلام) على عدم النبش، بل كان أخرجه الماء أو حذراً من إظهار الماء له فيخرج عن الدفن حينئذٍ، و هو منافٍ لحرمة مثله إلى غير ذلك.
و العلم بأنّ ذلك صلاح للميّت أو فساد مختصّ بعلّام الغيوب، فلعلّ في النبش مفسدة تقابل المصلحة و تفضل عليها، بل عرفت أنّ الشيخ في المصباح صرّح بأنّ الأفضل العدم، فلا طريق لنا إلّا التعبّد بظاهر الأدلّة.
و من الغريب التمسّك بما ذكر على استحباب الدفن في المشاهد و نحوها؛ إذ هي- بعد تسليم الترجيح لها على فرض العموم من وجه- صريحة أو كالصريحة في غير المدفون، لا فيه على أن ينبش فيدفن فيها، كما هو واضح.
و نقل اولئك العلماء- مع عدم ثبوته- لا يقضي بكون ذلك رأي فضلاء الوقت، بل يكفي فيه تقليد الوليّ لواحد و إن كان الباقي على خلافه، على أنّ ذلك ليس من الحجج الشرعية. فلا ريب أنّ الأقوى العدم حينئذٍ.
[١] انظر ص ٦١٦.
[٢] المستدرك ٢: ٣٠٩، ب ١٣ من الدفن، ح ٥.
[٣] الوسائل ٣: ١٦٢، ب ١٣ من الدفن، ح ٢.
[٤] رجال النجاشي: ٤٠٣، الرقم ١٠٦٧.
[٥] الدرجات الرفيعة: ٤٦٣.
[٦] روضات الجنّات ٧: ٥٩.