جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٦٠ - غسل الميّت
و المتّجه القول بالوجوب الكفائي مع وجوب مراعاة الأولويّة المذكورة، فلا يجوز غسله و لا دفنه و لا تكفينه و لا غير ذلك من سائر أحكامه الواجبة بدون إذنه، سيّما مع نهي الوليّ و إرادة فعله بنفسه أو من أراده (١).
(١) لظاهر النصوص و الفتاوى و الإجماعات السابقة في بعضها، من غير فرق بين الصلاة و غيرها من الغسل و غيره، و إن كان ربّما يشعر ترك بعضهم ذكر الوليّ في الأوّل مع إطلاقه الوجوبية الكفائية بعدمه.
و كيف كان، فقد يشهد للمختار- مضافاً إلى ما سمعت- ما عساه يظهر للفقيه إذا طمح نظره في الكتاب و السنّة و في أحوال السلف و الخلف من سائر المسلمين، بل غيرهم من الملّيين في جميع الأعصار و الأمصار من القطع و اليقين؛ بأنّ الإنسان ليس كغيره من أفراد الحيوان ممّا لم يجعل اللّٰه لأغلب أنواع الرحم فيه مدخليّة، بل جعل له أولياء من أرحامه هم أولى به من غيره فيما كان من نحو ذلك، بل لعلّه هو مقتضى نظام النوع الإنساني و المركوز في طبائعهم، حتى لو أراد غير الوليّ فعل شيء من ذلك قهراً على الوليّ توجّه إليه اللوم و الذم من سائر هذا النوع من غير نكير في ذلك. كما أنّه لو أراد الوليّ فعل ذلك قهراً على غيره لم يكن في نفس أحد من هذا النوع عليه شيء من ذلك الاعتراض و الإنكار، بل كان فعله هو المتلقى بالقبول عند ذوي البصائر و العقول.
و كأنّ ما ذكرنا من جميع ذلك مركوز في طبيعة النوع الإنساني، و الشرع أقرّه على ما هو عليه؛ لموافقته في أغلب الأحوال للحِكَم و المصالح المترتّبة عليه؛ لكون الوليّ أدعى من غيره لمصالح المولّى عليه في دنياه و آخرته؛ لما بينهما من المشاركة في الرحم الذي جعله اللّٰه مثاراً لذلك، فيطلب له أحسن ما يصلحه من التغسيل و الكفن و مكان الدفن و الصلاة و نحو ذلك، كما أنّه هو أشدّ الناس توجّعاً عليه فيما يصيبه من النوائب في الدنيا و الآخرة، و لأنّ ذلك أقطع للقيل و القال و إثارة النزاع عند تزاحم الإرادة و الاختيار في هذه الأفعال، إمّا رغبة فيما أعدّ اللّٰه لذلك من الثواب و الدرجات، أو غيره ممّا يختلف باختلاف القصد و النيّات. و قد يكون المتوفّى ممّن يكسب المتولّي لمثل ذلك من أفعاله شرفاً يبقى في الأعقاب، على ما يشعر به طلب الأنصار من أمير المؤمنين (عليه السلام) دخول قبر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) [١]. كما أنّه قد يكون ممّن له عداوة مع من أراد مباشرة هذه الأفعال منه؛ بحيث يصل إلى الحرب بين أولياء الميّت و بينهم حذراً من التشفّي و غيره.
و الحاصل: لا يخفى ما في القول بعدم وجوب مراعاة هذه الأولويّة في جميع ذلك من المفاسد العظام، كما أنّه لا يخفى ما في المراعاة لها من المصالح التي يكفي بعضها في الإلزام على ما هو الموافق للكتاب، كقوله تعالى: (وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ)* [٢]، و قوله تعالى: (وَ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ) [٣] و النصوص من أهل البيت (عليهم السلام). نعم لمّا كانت هذه الولاية تابعة لما عرفت من العلقة الرحمية و نحوها، و كان ذلك مختلفاً باختلافه شدةً و ضعفاً كشف الشارع عن بعضها و جعله أولى من غيره، كما سيظهر لك إن شاء اللّٰه في الصلاة على الميّت مفصّلًا.
و أمّا ما تقدّم سابقاً ممّا عساه ينافي ذلك [كفائية وجوب تجهيز الميّت] كالإشكال المتقدّم في وجوبه في هذه الأحكام مع إناطته برأي بعض المكلّفين، فمدفوع: بأنّه لا منافاة بين وجوبه على سائر المكلّفين؛ بمعنى حصول العقاب على الجميع مع إذن الولي
[١] الوسائل ٣: ١٨٤، ب ٢٤ من الدفن، ح ٢.
[٢] الأنفال: ٧٥.
[٣] النساء: ٣٣.