جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٣٩ - غسل الجمعة
..........
لغيره، فإن كان الأوّل، فإن نفسيّاً فهو منافٍ لحصر الواجبات في الأخبار [١] المتواترة، كما قيل [٢] فيما عداه. و أمّا الثاني- فمع أنّه خلاف قول المخالف و أدلّته- كما في المصابيح ٣- ينافيه ضبط شرائط الصلاة، و حصرها في كلام الأصحاب و الأخبار، كصحيحة زرارة: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس ... إلى آخرها» [٤] و غيرها في غيره، و ليس هو من الطهور قطعاً؛ لعدم رفع الحدث به عند الصدوقين [٥] أيضاً كما حكي. فظهر من هذا كلّه تعيّن الندب، و هو في مقابلة أخبار [٦] دالّة على الوجوب و فيها الصحيح، و قد اشتملت على الأمر، و لفظ الوجوب، و النهي عن الترك، و تفسيق التارك و أمره بالاستغفار و نهيه عن العود، مع اشتمالها على استثناء الخوف و الرخصة للعليل، و نحوها ممّا يفيد ذلك و يؤكّده. إلّا أنّها- مع عدم اعتبار سند بعضها و الجابر مفقود، بل الموهن موجود- لا تصلح لمعارضة ما قدّمناه لوجوه كثيرة لا تخفى. و كيف؟! و الأخبار متى كانت صريحة صحيحة و أعرض الأصحاب عنها لا يسوغ العمل بها، فضلًا عمّا لو وجد لها معارض أقوى منها. فوجب حينئذٍ طرح ما لا يقبل التأويل منها لو كان، و تأويل غيره بإرادة الثبوت و المبالغة و التأكيد لاستحبابه، سيّما بعد إطلاق لفظ الوجوب و نحوه على المعلوم استحبابه من الأغسال، كغسل عرفة و الزيارة و دخول البيت و المباهلة و الاستسقاء، و في بعضها أنّ غسل دخول الحرم واجب، و يستحبّ أن لا يدخله إلّا بغسل [٧]، و هو كالمفسّر للوجوب فيه و في غيره، إلى غير ذلك من القرائن فيها، الدالّة على إرادة الندب من الوجوب و نحوه. و قد تجاوز بعض المتأخّرين [٨] فأنكر كون لفظ الوجوب حقيقة فيما عندنا في السابق، و لا ريب في ضعفه سيّما بالنسبة إلى زمن الأئمّة (عليهم السلام)، فالأولى حينئذٍ ما ذكرنا فيه، و كذا غيره من الأمر بالاستغفار [٩] و نحوه ممّا تقدّم عند تركه من إرادة الحثّ و الترغيب و المبالغة حتى يداوم على مثل هذه السنّة، و قد ورد أشدّ من ذلك من الحثّ على المندوبات، بل لعلّ التتبّع يشهد أنّ كلّ ما زيد فيه من المبالغة في فعله و تركه كان إلى الاستحباب أقرب منه إلى الوجوب. نعم قد يظهر من هذه الأخبار و غيرها أنّ تركه مكروه، بل كراهة شديدة، و إن لم ينصّ عليه أحد في كتب الفروع فيما أجد: ١- للنهي عن الترك فيها. ٢- و الأمر بالاستغفار عنده. ٣- و التفسيق بسببه أيضاً. ٤- بل لعلّ أخبار الوجوب تكفي في إثبات الكراهة للترك؛ لكونه أقرب المجازات عند انتفاء الحقيقة. فالذي ينبغي حينئذٍ أن لا يترك؛ لذلك، لا لما ذكره بعض متأخّري المتأخّرين من قوّة القول بالوجوب [١٠]؛ لما عرفت من ضعف الشبهة من هذه الجهة. و في خبر الأصبغ: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أراد أن يوبّخ الرجل يقول: «و اللّٰه لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة، فإنّه لا يزال في طهر إلى الجمعة الاخرى» [١١]. و عن العلل كذلك، إلّا أنّه قال: «في همّ» [١٢] بدل «طهر».
[١] انظر الوسائل ٢: ١٧٣، ب ١ من الجنابة.
[٢] ٢، ٣ مصابيح الأحكام: ١٥٤.
[٤] الوسائل ٦: ٣١٣، ب ١٠ من الركوع، ح ٥.
[٥] حكاه عن علي بن بابويه في المختلف ١: ٣٣٩. الفقيه ١: ١١٢، ذيل الحديث ٢٢٧.
[٦] انظر الوسائل ٣: ٣١١، ٣١٧، ب ٦، ٧ من الأغسال المسنونة.
[٧] الوسائل ٣: ٣٠٤، ب ١ من الأغسال المسنونة، ح ٣.
[٨] المدارك ٢: ١٦٠.
[٩] الوسائل ٣: ٣١٨، ٣١٩، ب ٧، ٨ من الأغسال المسنونة، ح ٣، ٢.
[١٠] الحبل المتين: ٧٩.
[١١] الوسائل ٣: ٣١٨، ب ٧ من الأغسال المسنونة، ح ٢.
[١٢] الموجود في العلل (٢٨٥، ح ٢) «في طهر»، إلا أنه نقله عنه في الوسائل ٣: ٣١٨، ب ٧ من الأغسال المسنونة، ذيل الحديث ٢.