جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥ - علامة المنيّ
..........
الرابع- و هو الرائحة المذكورة- في شيء من الأخبار، بل ظاهر هذه الرواية و غيرها عدمه، قوي الظنّ بعدم مدخليّته. و منه تعرف ضعف القول به منضمّاً و منفرداً. و من العجيب ما سمعته من جامع المقاصد [١] من نفي الخلاف في الاعتماد عليها لو حصلت منفردة، و بما ذكرناه مع ما تسمع يظهر لك قوّة القول بكون الثلاثة خاصة مركّبة بالنسبة إلى صحيح المزاج.
و أمّا ما ذكره في جامع المقاصد ٢ و غيره من الاكتفاء بأحد الثلاثة أو الأربعة فلا أعرف له مستنداً.
و أقصى ما ذكر هو في توجيهه: أنّها صفات متلازمة إلّا لعارض كمرض و نحوه، فوجود بعضها حينئذٍ كافٍ، و كذلك غيره ممّن وافقه، فإنّه قال: إنّها متلازمة غالباً، و إلّا فلو فرض انفكاكها فالواحد منها كافٍ في ذلك [٣].
و فيه: أنّه مصادرة مع فرض تجويز الانفكاك، و خالٍ عن الدليل مع فرض عدمه، بل ظاهر الصحيحة المتقدّمة و غيرها خلافه، منها: الأخبار التي فصّلت بين المريض و الصحيح، كصحيحة ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يرى في المنام و يجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئاً، ثمّ يمكث الهوين بعد فيخرج، قال: «إن كان مريضاً فليغتسل، و إن لم يكن مريضاً فلا شيء عليه، قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: لأنّ الرجل إذا كان صحيحاً جاء الماء بدفقة قويّة، و إن كان مريضاً لم يجئ إلّا بعد» [٤]. و يقرب منه غيره [٥]، و هو كما أنّه دالّ على انفكاكها بالنسبة للصحيح كذلك دالّ على نفي الحكم بالجنابة مع نفي الدفق خاصّة، و هو أيضاً ممّا يؤيّد ما ذكرنا.
فظهر لك بذلك كلّه ضعف القول بالاكتفاء بواحد منها، كما أنّ الظاهر ضعف القول باعتبار الدفق خاصّة؛ إذ ليس في الأدلّة ما يدلّ على أنّه يحكم بالجنابة بمجرّده، بل قد عرفت أنّ فيها ما يخالفه.
و أمّا الاستدلال عليه بقوله تعالى: (خُلِقَ مِنْ مٰاءٍ دٰافِقٍ) [٦] فضعيف؛ إذ لا دلالة فيه على أن لا دافق غيره ممّا يخرج من الذكر حتى يكون وجوده دليلًا على كونه منيّاً. و أمّا ما سمعته ٧ من العلّامة في القواعد [من الاكتفاء بالدفق و الشهوة] و المصنّف في النافع [من الاكتفاء بالدفق و فتور البدن] فقد عرفت أنّ الظاهر رجوعهما إلى اعتبار الثلاث؛ لمكان تلازم الشهوة للفتور و بالعكس، و مع فرض العدم فهما محجوجان بما سمعت.
لا يقال: إنّ المنيّ من الموضوعات التي يكتفى فيها بالظنّ، و لا ريب في حصوله بواحد من الصفات الثلاثة، بل و بالرائحة أيضاً و نحو ذلك.
لأنّا نقول: فرق واضح بين تحقّق الموضوع و بين معنى الموضوع، و أقصى ما يكتفى بالظنّ إنّما هو في الثاني دون الأوّل. و ممّا تقدّم ظهر لك وجه قول المصنّف.
[١] ١، ٢، ٧ تقدّم في ص ١٣.
[٣] الروض ١: ١٤٣.
[٤] الوسائل ٢: ١٩٥، ب ٨ من الجنابة، ح ٣.
[٥] المصدر السابق: ذيل الحديث ٣.
[٦] الطارق: ٦.