جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٧٣ - غسل الميّت
أمّا إذا مات بعدها فهي أجنبيّة كالمطلّقة بائناً، و هو واضح (١).
(١) و قال في الذكرى: «و لا عبرة بانقضاء عدّة المرأة عندنا، بل لو نكحت جاز لها تغسيله و إن كان الفرض عندنا بعيداً» انتهى، و نحوه في الروض و الروضة و كذا جامع المقاصد [١]. بل يشعر قول: «عندنا» في الكتب الثلاثة بكونه مجمعاً عليه. و الظاهر أنّ مرادهم بالعدّة عدّة الوفاة، و بُعد الفرض حينئذٍ لاستبعاد بقاء الميّت بغير غسل حتى تنقضي و تتزوّج كما يشعر بذلك المنقول عن حاشية الروضة لصاحبها، حيث قال: «إنّه يتحقّق هذا الفرض بدفن الميّت بغير غسل، ثمّ تزوّجت زوجته بعد مضيّ عدّتها، ثمّ اخرج الميّت من قبره لغرض كالشهادة على حقّه أو أخرجه السيل و لم يتغيّر، فيجوز لها- أو يجب- حينئذٍ تغسيله» [٢] انتهى. قلت: و لعلّه لا يحتاج إلى هذا التكلّف في نحو عصرنا، و ذلك لأنّه قد تعارف فيه بقاء الميّت مدة طويلة جداً بسبب إرادة دفنه في أحد المشاهد المشرّفة. و ربّما استشكل في الحكم بعض متأخّري المتأخّرين [٣]؛ معلّلًا ذلك بصيرورتها أجنبية و الحال هذه. و قد يؤيّده- مع احتمال الشكّ في شمول الإطلاقات [الدالّة على تغسيل الزوجة] لمثل ذلك من جهة ندرته- أنّه قد يشعر التعليل المتقدّم في صحيحة الحلبي و غيره بكونها في عدّة منه «أنّه لا يجوز لها التغسيل بعد انقضائها» سيّما إذا تزوّجت.
و فيه: منع صيرورتها أجنبية بذلك، بل صدق اسم الزوجة عليها محقّق. و دعوى الندرة إن اريد بها ندرة الوقوع فهي مسلّمة، لكنّها لا تجدي، و إن اريد غيرها فممنوعة. و لا إشعار في التعليل بذلك، كما يشير إليه تعليله في هذا الخبر تغسيل الزوج لها؛ بأنّه قد انقضت عدتها منه، و الظاهر أنّ مراده من حيث التجريد للثياب و عدمه، ففي تغسيل المرأة له لا يتأكّد كونه من وراء الثياب؛ لأنّها في عدّة منه، بخلاف العكس كما أشرنا إليه سابقاً، هذا.
و ربّما فرضت المسألة في صورة أقرب ممّا ذكرنا، و هي فيما إذا كانت حاملًا ثمّ وضعت بعد موته، فإنّ عدّتها تنقضي بالوضع فقط، كما هو مذهب ابن أبي عقيل [٤]، فإذا نكحت غيره قبل تغسيله لم يمنع ذلك من تغسيلها. إلّا أنّ ذلك لا يتمّ بناء على ما هو المعروف من مذهب أصحابنا من العدّة بأبعد الأجلين. لكن قد يظهر من المصنّف في المعتبر مشهوريّة القول بجواز التزويج لها بمجرد الوضع بين أصحابنا؛ لأنّه قال في الردّ على أبي حنيفة حيث منع من تغسيل الزوج زوجته معلّلًا ذلك بانقطاع عصمة النكاح بينهما، فيحرم عليه النظر و اللمس بدليل أنّه يجوز له نكاح اختها و الأربع و غير ذلك: «و استدلال أبي حنيفة ضعيف؛ لأنّا لا نسلّم أنّ جواز نكاح الأربع و الأُخت يستلزم تحريم النظر و اللمس، فإنّ المرأة الحامل يموت زوجها فتضع، و مع الوضع يجوز أن تنكح غيره، و لا يمنعها ذلك من نظر الزوج و لا غسله، و لا حجة في العدّة؛ لأنّه لو طلّقها بائناً ثمّ مات فهي عدة، و لا يجوز لها تغسيله» ٥ انتهى. اللّهم إلّا أن يريد به [و مع الوضع يجوز أن تنكح غيره] الإلزام على ما عندهم، لكنه لا يتّجه إلزامه بذلك لأبي حنيفة عند التأمّل. هذا كلّه مع فرض كون العدة عدة وفاة، أمّا لو فرض أنّها عدّة طلاق رجعي فيشكل تصوّر الحكم المذكور فيه، اللّهم إلّا أن يفرض أنّه مات في آخر العدة ثمّ خرجت عن العدة قبل أن تغسّله، فإنّ لها أن تتزوّج حينئذٍ و تغسّله، أمّا الأوّل فلخروجها عن العدّة، و أمّا الثاني فلأنّه مات و هي زوجة له، و يكون بُعد الفرض حينئذٍ لندرة اتفاقه. و فيه: أنّ الحكم في مثل [هذا] الفرض [لزوم] اعتدادها بعدة الوفاة حينئذٍ، فليس لها التزويج، كما سيأتي إن شاء اللّٰه في محلّه، فتأمّل.
[١] الذكرى ١: ٣١١. الروض ١: ٢٦٢. الروضة ١: ١٢٤. جامع المقاصد ١: ٣٦٠.
[٢] انظر الروضة (حجرية): ٥٣، عند قوله: «بل لو تزوّجت جاز لها تغسيلها».
[٣] الحدائق ٣: ٣٨٨.
[٤] ٤، ٥ المختلف ٧: ٥٢١. المعتبر ١: ٣٢٢.