جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٢٥ - حدّ النفاس
نعم قد يتردّد في أصل الحكم بالنفاسين مع عدم تخلّل أقلّ الطهر بينهما، بأنّ النفاس كالحيض عندهم في الأحكام، و خصوصاً في ذلك (١).
(١) كما يشعر به حكمهم بعدم حيضيّة الدم السابق على الولادة بدون تخلّل أقلّ الطهر حتى في المتّصل منه الممكن الحكم بالحيضيّة كما أشرنا إليه سابقاً، و كذا اللاحق بعد انتهاء مدّة النفاس و إن صادف العادة في كلّ منهما.
و ما ذكره في كشف اللثام من أنّه «لا دليل على امتناع تعاقب النفاسين بلا تخلّل» [١]، يدفعه: أنّ التعاقب محتاج إلى الدليل، لا امتناعه، بعد المساواة المذكورة التي هي المستند لهم في كثير من أحكام الباب. مضافاً إلى ما دلّ على عدم قصور أقلّ الطهر عن عشرة، كما لو فرض وضع الثاني بعد مضيّ زمان بعد العشرة يقصر عن أقلّ الطهر.
اللّهمّ إلّا أن يستند في دفع ذلك كلّه إلى الإجماع، و هو جيّد لو تمّ، كما هو ظاهر نسبته له في المصابيح إلى المعروف من مذهب الأصحاب ناقلًا عن ظاهر التذكرة إجماع علمائنا عليه [٢].
و مع ذلك كلّه فتماميّته- أي الإجماع- لا يخلو من إشكال، بل قد يشعر ما في الانتصار بعدمه، حيث قال: «لست أعرف لأصحابنا نصّاً صريحاً في هذه المسألة» [٣]. و ما في السرائر حيث قال بعد أن ذكر المسألة: «فليلحظ ذلك و يحقّق، فقد شاهدت جماعة ممّن عاصرت من أصحابنا لا يحقّق القول في ذلك» [٤]. و ما في المعتبر من التردّد المتقدّم.
بل ربّما توهّم من عبارة المصنّف و نحوها ممّا يقرب منها أنّ المراد ابتداء عدد أيام النفاس من الأوّل، مع تكميلها من أيام وضع الثاني، فلا يكون حينئذٍ للثاني نفاس إلّا مقدار ما يكمل به الأوّل فقط، و على هذا فلو فرض وضع الثاني بعد العشرة مثلًا لم يكن له نفاس كما هو المنقول عن بعض العامّة [٥].
و عن آخر منهم: أنّ ابتداء النفاس من الثاني [٦].
لكن ذلك كلّه ممّا ينبغي القطع بعدم إرادته لأحد من الأصحاب، و أنّ المراد بالعبارة- كما هو المصرّح به في كلام جملة من الأصحاب- استيفاء تمام عدّة النفساء من وضع الثاني و إن كان ما عدّته بعد الأوّل نفاساً أيضاً.
و ليس المراد أنّ مجموع أيام نفاس هذه المرأة- أي الحامل باثنين- من وضع الأخير كما عساه يتوهّم من ظاهر العبارة أيضاً، حتى تتوجّه المنافاة بين هذا الحكم و الحكم بأنّ ابتداء نفاسها من وضع الأوّل، و إن كان هذا الوهم أقرب من الوهم السابق بالنسبة إلى العبارة.
و كيف كان، فالعمدة في المقام [أي كون الثاني متمّماً للأوّل إن كان الثاني بعد العشرة و إلّا كان نفاساً مستقلّاً] الإجماع لو تمّ، و إلّا فلم نعرف لهم دليلًا هنا سوى صدق اسم النفاس، و هو لا يرفع ما سمعت من الإشكال.
[١] كشف اللثام ٢: ١٨٤.
[٢] مصابيح الأحكام: ٢٥٤.
[٣] قد أشرنا في الصفحة السابقة إلى أنّه لم يتعرّض لهذه المسألة، و العبارة موجودة في الناصريات: ١٧٣.
[٤] السرائر ١: ١٥٧.
[٥] المجموع ٢: ٥٢٧.
[٦] المصدر السابق: ٥٢٦.