جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧٣ - العصير غير العنبي
..........
«أمّا أبي (عليه السلام) فإنّه كان يأمر الخادم، فيجيء بقدح، و يجعل فيه زبيباً و يغسله غسلًا نقياً، ثمّ يجعله في إناء ثمّ يصبّ عليه ثلاثة مثله أو أربعة ماءً، ثمّ يجعله بالليل و يشربه بالنهار، و يجعله بالغداة و يشربه بالعشي، و كان يأمر الخادم بغسل الإناء في كلّ ثلاثة أيام لئلّا يغتلم، فإن كنتم تريدون النبيذ فهذا هو النبيذ» [١]. إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة في حرمته بمجرّد غليانه بنفسه و نشيشه و خروج زبده، و لعلّك تسمع بعضها إن شاء اللّٰه أيضاً. و من هنا يظهر لك أنّه لا وجه للاستدلال بها على ما نحن فيه من عصير التمر المغلي بالنار و نحوها؛ لوضوح عدم اندراجه في شيء منها، نعم هي كغيرها ظاهرة في حرمة ما قلناه من النبيذ إذا نشّ و غلى بنفسه و خرج زبده و لو بطول المكث، و لا ينافيه ما دلّ على إباحة غير المسكر؛ إذ لعلّ كثيره كذلك إذا بلغ هذا الحدّ، كما هو الظاهر من الأخبار أيضاً.
و كأنّ عبارات جملة من الأصحاب ظاهرة فيه إن لم تكن صريحة: منها عبارة الشيخ في النهاية: «لا بأس بشرب النبيذ غير المسكر؛ و هو أن ينقع التمر أو الزبيب ثمّ يشربه و هو حلو قبل أن يتغيّر- و قال:- و يجوز أن يعمل الإنسان لغيره الأشربة من التمر و الزبيب و العسل و غير ذلك و يأخذ عليه الاجرة و يسلّمها إليه قبل تغيّرها» [٢]. إذ قد اكتفى في تحقّق البأس بمجرّد التغيّر، و منه ما ذكرنا [و هو ما إذا نشّ بنفسه] قطعاً. و منها ما في الوسيلة:
«أنّ النبيذ هو أن يطرح شيء من التمر أو الزبيب في الماء، فإن تغيّر كان في حكم الخمر، و إن لم يتغيّر جاز شربه و التوضّؤ منه ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء» [٣]. كالذي في المهذّب: «يجوز شرب النبيذ الذي لا يسكر، مثل أن يلقى التمر أو الزبيب في الماء المرّ أو المالح و ينقع فيه إلى أن يحلو فإن تغيّر لم يجز شربه» [٤]. و في السرائر: «فأمّا عصير العنب فلا بأس بشربه ما لم يلحقه نشيش بنفسه، فإن لحقه طبخ قبل نشيشه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه حلّ شرب الثلث الباقي، فإن لم يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه كان حراماً، و كذلك فيما ينبذ من الثمار في الماء أو اعتصر من الأجسام من الأعصار في جواز شربه ما لم يتغيّر، فإن تغيّر بالنشيش لم يشرب» [٥]. و في الدروس: «و لا يحرم ٦/ ٣٠/ ٤٩
المعتصر من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش، فيحلّ طبيخ الزبيب على الأصح؛ لذهاب ثلثيه بالشمس غالباً، أو خروجه عن مسمّى العنب، و حرّمه بعض مشايخنا المعاصرين ... إلى آخره» [٦]. بل في آخر كلامه ما هو كالصريح في صيرورته بذلك فقّاعاً. نعم يظهر منه في اللمعة كحدود الكتاب و القواعد و التحرير و الإرشاد [٧] و غيرها انفكاك الإسكار عن الغليان بنفسه و نحوه، و لذا جعلوا مدار الحرمة على الأوّل دون الثاني. إلّا أنّك قد عرفت ظهور الأخبار في حرمته بالثاني، و لعلّه لتحقّق الإسكار الخفي فيه و لو بالكثير.
[١] الوسائل ٢٥: ٣٥٢، ب ٢٢ من الأشربة المحرّمة، ح ٥.
[٢] النهاية: ٥٩٢، ٥٩٣.
[٣] الوسيلة: ٣٦٥.
[٤] المهذّب ٢: ٤٣٣.
[٥] السرائر ٣: ١٢٩.
[٦] الدروس ٣: ١٦.
[٧] اللمعة: ٢٣٧. الشرائع ٤: ١٦٩. القواعد ٣: ٥٥٠. التحرير ٥: ٣٤٤. الإرشاد ٢: ١٨٠.