جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤١٢ - التعدّد في غير البول
..........
بالرشّ على الندب في غير ذلك من المواضع الوارد فيها حتى من الخصم على الظاهر، حيث لم ينقل عنه الوجوب، بل في المعالم: أنّ «ظاهر الأصحاب الإطباق على استحبابها» [١].
٢- على أنّ خبري الخنزير الأوّلين ينافيان إرادة التعبّد، كما أنّه ينافيه مقابلة النضح و نحوه فيها بالغسل المعلوم عدم إرادته منه [من الأمر بالغسل]. و دعوى ظهوره [التعبّد] من خبر الخنزير الثالث للأمر بالمضي فيه مع الدخول، ممنوعة؛ إذ لعلّه لكونه مستحبّاً لا يقطع له الصلاة، بل قد يؤيّده الأمر به [النضح] على تقدير عدم الدخول؛ إذ لا مدخلية له على فرض التعبّد.
و لعلّ الاستثناء فيه [بقوله: «إلّا أن يكون أثر فيغسله»] يراد منه وجوب الغسل على تقدير الدخول و عدمه، بمعنى أنّه يقطع الصلاة و يبطلها على الأوّل [أي على تقدير الدخول] كما هو الغالب من عدم تيسّر الغسل فيها، فلا ينافي حينئذٍ ما دلّ على بطلان صلاة ناسي النجاسة الذاكر في الأثناء حتى يحتاج إلى تأويل الخبر و صرفه عن ظاهره بإرادة الجاهل بوجود الأثر و إن علم الملاقاة؛ لكونها أعمّ منه، فلا تمنعه من التمسّك بأصالة الطهارة حتى دخل ثمّ علم. و ما يقال من أنّ التعبّد لا بدّ من ارتكابه هنا في هذه الأوامر حتى على تقدير الندب أيضاً- لعدم تصوّره [الندب] بالنسبة للطهارة و النجاسة، فإبقاؤها على ظاهرها من الوجوب أولى حينئذٍ- يدفعه: منع عدم تصوّره على إرادة رفع الأثر الحاصل من ملاقاتها يابسة، و إن كان لم يعتبر الشارع هذا الأثر في صحّة المشروط بالطهارة، بل جعل رفعه مستحبّاً فيها، فهو كأثر النجاسة في الجملة و من قبيله، لكنّه لم يصل إلى حدّ وجوب الإزالة، فتأمّل جيّداً فإنّه دقيق. فاتّضح لك من ذلك كلّه حمل الأمر في الأخبار السابقة [من نضح الثوب عند الملاقاة للكلب و الخنزير و المجوسي يابساً] على الندب، كوجه فتوى المشهور بذلك، لكن قد يشكل:
١- بأنّها قد اشتملت على النضح و الصبّ، و هما- خصوصاً الثاني- غير الرشّ المأمور به في الفتوى.
٢- و بأنّها لا تدلّ على استحباب ذلك في مطلق الكافر؛ إذ ليس إلّا الخبر الأخير [أي صحيح الحلبي] الخاصّ بالمجوسي.
و يدفع الأوّل بدعوى إرادة الرشّ من النضح، بل ترادفه معه، كما يشهد له ما عن الصحاح و القاموس: «النضح: الرشّ» [٢]، و استدلّ الأصحاب بأخباره [النضح] عليه [على الرشّ]، بل قد يراد بالصبّ ذلك [الرشّ] أيضاً كما يومئ إليه التعبير بالنضح في بعض أخبار بول الصبي المعلوم أنّ حكمه الصبّ، و ما عن بعض الأصحاب التعبير فيه- أي بول الصبي- أيضاً بالرشّ [٣]. بل هو قريب جدّاً بناءً على ما في حواشي القواعد [٤] من تفسير الرشّ بأن يستوعب جميع أجزاء المحلّ بالماء و لا يخرج، و أنّه به افترق عن الغسل؛ لما قد عرفت من تفسير الصبّ بذلك، مع احتمال الاجتزاء هنا في تحصيل الوظيفة بكلّ منهما [الصبّ و الرشّ]، بل قد يدّعى أولويّته [الصبّ] باعتبار أبلغيته في المراد. إلّا أنّه يبعده اتّفاق عبارات الأصحاب حتى معقد الإجماع السابق على عدم التعبير به [بالصبّ] في المقام، و أنّه كالمطلق بالنسبة للنضح و الرش. و استحسانه من جهة الأبلغية لا مدخليّة له في الأحكام الشرعيّة التي يقصر العقل عن إدراك بعض حِكمها و مصالحها. و [يدفع] الثاني بإلغاء الخصوصيّة بين المجوسي و غيره، خصوصاً مع ملاحظة الإجماع السابق، و كون الحكم ممّا يتسامح فيه.
[١] المعالم ٢: ٧١١.
[٢] الصحاح ١: ٤١١. القاموس المحيط ١: ٢٥٣، ٢٧١.
[٣] نقله في التذكرة ١: ٨٢.
[٤] راجع مفتاح الكرامة ١: ١٧٧.