جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٩ - النوع الأول و الثاني البول و الغائط
..........
هذا، مضافاً إلى ما في الرياض من «عدم الملازمة بينها و بين نفي البأس عنه؛ لعدم السراية مع اليبوسة كما هو ظاهر الحكّ في الرواية، و ليس نصّاً في صحّة الصلاة، و من أنّ إطلاق الطير فيه ينصرف إلى المتبادر الغالب و هو مأكول اللحم، و غيره نادر» [١] انتهى. و إن كان فيما ذكره نظر واضح.
٢- و لعدم الجابر لسابقيه من الخبرين، مع معارضتهما بخبر الرقّي المتقدّم، بل و بإجماع المختلف في وجه، و احتمالهما التقيّة كما قيل [٢]. و احتياج الخصم أيضاً إلى تأويل الخبر الثاني باعتبار منافاته للصلاة من حيث كونه من فضلات ما لا يؤكل لحمه، بل و سابقه أيضاً إن اريد بنفي البأس فيه ما يعمّ ذلك، بل لعلّه الظاهر باعتبار كون الصلاة معظم ما يراد نفي البأس بالنسبة إليها.
و كذا الكلام في الخبرين الأوّلين، مع قصورهما عن معارضة ما تقدّم و إن اعتبر سندهما، سيّما مع كون معارضتهما للعموم السابق في البول و القاعدة السابقة فيه و في الخرء بالعموم من وجه، و لا ريب في رجحانهما عليهما بالاعتضاد بالشهرة العظيمة، بل تسالم الأصحاب عليه في بعض الطبقات التي هي أقوى المرجّحات نصّاً و اعتباراً، على أنّه لو سلّم تكافؤ المرجّحات باعتبار ترجيح هذا العموم أيضاً بالأصل و بأقلّية الأفراد و نحوهما يبقى ما سمعته من الإجماعات المحكيّة التي يشهد لها التتبّع سالمة عن المعارض، فلا محيص حينئذٍ عن القول بالنجاسة.
و لو لا ذلك لأمكن القول بالطهارة عملًا بالمعتبرين السابقين، سيّما مع إمكان القول بعدم انصراف ما دلّ على نجاسة البول إلى بول الطير و إن كان بالعموم اللغوي، أو قلنا بعدم البول للطير و إن تضمّناه، لكن يمكن حمله على ما يخرج من بعض الفضلات مجازاً، فلا يعارضها حينئذٍ ما دلّ على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، و كأنّ ذلك و أمثاله مع اختلال الطريقة هو الذي ألجأ متأخّري المتأخّرين إلى القول بالطهارة، و قد عرفت ضعفه بما لا مزيد عليه.
و أضعف منه ما يظهر من المحكيّ من عبارة ابن البرّاج في المهذّب من القول بنجاسة الذرق و البول ممّا لا يؤكل لحمه من الطيور إلّا أنّه لا يجب إزالة قليلها و كثيرها [٣].
و هو قول غريب لم يعرف نقله عن أحد من الأصحاب، بل و لا عنه أيضاً، و لكن لعلّ مستنده الجمع بين ما دلّ على النجاسة ممّا عرفت و بين ما دلّ على الطهارة، خصوصاً مع إشعار الصحيح السابق بعدم منافاته للصلاة، و فيه ما لا يخفى.
فقد ظهر لك من ذلك كلّه- بحمد اللّٰه- الحكم في الطير، كما أنّه قد ظهر لك ما يصلح للاستدلال به على أصل نجاسة الفضلتين من سائر ما لا يؤكل لحمه مع قطع النظر عن الإجماعات.
فما في الرياض تبعاً لشرح المفاتيح: أنّ الدليل منحصر في الإجماع [٤] في غير محلّه، إلّا أن يريد أنّ غيره محتاج في إتمامه على وجه العموم إليه، مع أنّ فيه نظراً أيضاً يعرف ممّا مرّ.
لكنّ الأمر سهل و إن تعدّد المدرك عندنا و اتّحد عندهم بعد الاتفاق منّا جميعاً على نجاستهما من سائر ما لا يؤكل لحمه.
[١] الرياض ٢: ٣٤٥.
[٢] الرياض ٢: ٣٤٦.
[٣] المهذب ١: ٥١.
[٤] الرياض ٢: ٣٤٣. المصابيح ٤: ٤١٥.