جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٢ - عدد الضرب في التيمّم
..........
و ممّا يؤيّد ذلك كلّه أنّه قد يقطع المتأمّل أنّ هذه الأخبار ليس ممّا اريد بها ذكر بيان تمام التيمّم، و كيف؟! مع أنّه ترك فيها أكثر واجباته من الابتداء بالأعلى و الترتيب بين اليدين و غيرهما. فيعلم أنّ صدور ذلك من الرواة أو الأئمّة (عليهم السلام) فيما اتّفق تعلّق خصوص المقام ببيانه، كما هو واضح و نافع.
و من ذلك كلّه يظهر أنّ المراد بقوله (عليه السلام): «لم يعد ذلك» التجاوز لا الإعادة، بل و لو سلّم فظاهره بالنسبة للمسح كما ورد نظيره بالنسبة للغسل في الوضوء؛ إذ قد يتعلّق أغراض ببيان ذلك.
و كذا ما ذكره الخصم من أخبار الوحدة فإنّها صريحة أو كالصريحة في إرادة المسح لا الضرب، و لو سلّم فلا ظهور فيها في بدل الغسل.
كما أنّه يظهر لك إمكان القدح- لو لا الانجبار بالشهرة و نحوها- في دلالة سائر التيمّمات البيانيّة على اتّحاد الضربة، سيّما بعد إجمال مراد السائل عن التيمّم الذي قد وقع الجواب في بيانه، أو ظهور كون المراد ما يشترك به الوضوء و الغسل من ماهيّة التيمّم، و احتمال عدم تعلّق غرض الراوي بغير ما ذكره و إن بيّن له غيره، إلى غير ذلك.
و منه ينقدح أنّ المتّجه على حسب ما يقتضيه تعارض الأدلّة من إرجاع الضعيف إلى القوي التصرّف فيما دلّ على المرّة لا التكرار؛ لقوّة دلالة الثانية من وجوه بالنسبة للُاولى. فحمل الخصم لها على الندب و إبقاء تلك على إطلاقها في غير محلّه، على أنّ ذلك غير ملائم للسؤال فيها عن كيفيّة التيمّم، بل لم يعرف القول بالاستحباب لأحد من الأصحاب سوى ما حكي عن المرتضى [١]، و استحسنه بعض من تأخّر عنه [٢]، فلعلّ القول به خرق للإجماع المركّب، كالحمل على التخيير إن لم يكن بين الأقلّ و الأكثر بل بين الواجب و تركه.
و أمّا حملها على التقيّة فإنّه و إن استجوده المجلسي في بحاره [٣]، و تبعه بعض من تأخّر عنه [٤]؛ لمشهوريّة القول بالتكرار فيما بينهم.
لكن- مع أنّه يأباه ما في بعضها من ذكر النفض المنكر عندهم، كآخر الكفّين، و المعروف عندهم الذراعان، و إن نقل عن ابن حنبل القول بالكفّين [٥] و هو معاصر الرضا (عليه السلام)، إلّا أنّه يرى الضربة الواحدة لا الضربتين [٦]- لا موجب له، بل ربّما يقال بعدم جوازه؛ لما عرفت من مشهوريّة القول بالمرّة عندهم أيضاً حتى نقلوه عن عليّ (عليه السلام) و عمّار و ابن عبّاس و غيرهم ٧، فلا تقيّة فيه منهم.
نعم، لم ينقل عن أحد منهم القول بالتفصيل، فلا بأس بالتقيّة من جهته، و لعلّه لذا لم يكثر التصريح في الأخبار به.
فاتّضح لك- بحمد اللّٰه- ضعف القول بالمرّة مطلقاً جدّاً، بل لعلّ إطلاق القول بالمرّتين أقوى منه من جهة الأدلّة و إن كان نادراً بالنظر للقائلين، و من هنا كان التفصيل هو الأظهر.
[١] حكاه في المعتبر ١: ٣٨٨.
[٢] المعتبر ١: ٣٨٩.
[٣] البحار ٨١: ١٥٠، و فيه: «الأصوب».
[٤] الحدائق ٤: ٣٤٠.
[٥] المغني (لابن قدامة) ١: ٢٥٨- ٢٥٩.
[٦] ٦، ٧ المغني (لابن قدامة) ١: ٢٤٥.