جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٢٩ - استعمال أواني الخمر
..........
بل و خبر حفص الأعور: قلت للصادق (عليه السلام): إنّي آخذ الركوة، فيقال: إنّه إذا جعل فيها الخمر و غسلت كانت أطيب لها فنأخذ الركوة فنجعل فيها الخمر فنخضخضه و نصبّه و نجعل فيها البختج، فقال: «لا بأس» [١]. و خبره الآخر: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الدنّ يكون فيه الخمر ثمّ يجفّف يجعل فيه الخلّ؟ قال: «نعم» [٢]؛ إذ المراد يجفّف و يغسل. و الموثّق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيضاً: في الإناء يشرب فيه النبيذ، فقال: «تغسله سبع مرّات، و كذا الكلب» [٣].
فما عن نهاية الشيخ و ابني الجنيد و البرّاج من المنع عن استعماله [٤]:
١- لما في الخمر من الحدّة و النفوذ.
٢- و لصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): سألته عن الظروف؟ فقال: «نهى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الدباء و المزفّت، و زدتم أنتم الحنتم- يعني الغضار- و الزفت [٥] يكون في الزق، و يصبّ في الخوابي ليكون أجود للخمر، و سألته عن الجرار الخضر و الرصاص؟ قال: لا بأس» [٦].
٣- و خبر أبي الربيع الشامي عن الصادق (عليه السلام) قال: «نهى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن كلّ مسكر [فكلّ مسكر] [٧] حرام، قلت:
فالظروف التي تصنع بها منه؟ فقال: نهى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الدبا و المزفّت و الحنتم و النقير، فقلت: و ما ذاك؟ قال: الدبا:
القرع، و المزفّت: الدنان، و الحنتم: جرار خضر، و النقير: خشب كانوا ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها» [٨]. و خبر جرّاح المدائني عنه (عليه السلام) أيضاً: أنّه منع عمّا يسكر من الشراب، و منع النقير و النبيذ الدباء [٩].
ضعيفٌ [١٠]؛ إذ الأوّل قد عرفت ما فيه من أشدّية الماء منه نفوذاً. و الأخبار لا تصلح لإثبات الكراهة فضلًا عن المنع؛ إذ هي- بعد الإغضاء عن سند بعضها، و الإجمال بل الإشكال في متن الآخر، و قصورها عن تقييد غيرها- ظاهرة في إرادة النهي عن الانتباذ فيها مخافة الاختمار باعتبار ما في الإناء من الدهنيّة أو النبيذ السابق المتغيّر، لا مطلق استعمالها. كما يشهد لذلك النهي فيها عن المزفّت أي المطليّ بالزفت، و هو القير، و عن الحنتم، و هي- كما قيل [١١]-: الجرار الخضر المدهونة، ممّا عرفت أنّه لا إشكال في قابليّته للتطهير و جواز استعماله، فعلم إرادة بيان خصوصيّة للانتباذ خوفاً عليه من الاختمار و لو لتشرّب الإناء الذي لا يمنع من قبول التطهير، لكنّه قد يؤثّر الاختمار، بل قد تؤثّر الرائحة و نحوها.
إلّا أنّه مع ذلك كلّه لا بأس بالقول بالكراهة تخلّصاً من شبهة الخلاف، بل و الاحتمال في الأخبار، و استظهاراً في الاحتياط، و نحو ذلك ممّا يكتفى به فيها للتسامح، و اللّٰه أعلم.
[١] المصدر السابق: ح ٣.
[٢] المصدر السابق: ٣٦٩، ح ٤.
[٣] المصدر السابق: ٣٦٨، ح ٢.
[٤] النهاية: ٥٩٢. نقله عن ابن الجنيد في المعتبر ١: ٤٦٧. المهذّب ١: ٢٨.
[٥] في المصدر: «المزفّت يعني الزفت الذي...».
[٦] الوسائل ٣: ٤٩٥، ب ٥٢ من النجاسات، ح ١.
[٧] من المصدر.
[٨] الوسائل ٣: ٤٩٦، ب ٥٢ من النجاسات، ح ٢.
[٩] الوسائل ٢٥: ٣٥٧، ب ٢٥ من الأشربة المحرّمة، ح ٢.
[١٠] خبر قوله: «فما عن نهاية الشيخ...».
[١١] النهاية (لابن الأثير) ١: ٤٤٨.