جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠ - الطرف الثاني فيما يجوز التيمّم به
..........
هو [عدم الجواز بغير التراب] مفهوم لقب و خارج مخرج الغالب، اللّهمّ إلّا أن يوجّه بأنّ المراد خروج الكلام عن البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال لو كانت الطهوريّة وصفاً للأرض مع عدوله عنها بعد ذكره لها في المسجديّة إلى التراب، بل هو ضدّ مقتضى الحال، سيّما مع أنّه في مقام بيان الامتنان و زيادة اللطف به و بأُمّته من الكريم المنّان. لكن ذلك- مع أنّه مشترك الإلزام؛ لما سمعت من الإجماع على التيمّم بالحجر عند فَقْد التراب، و تأخّره عن التراب مرتبة لا يسوّغ ترك ذكر الامتنان به في مقام بيانه؛ إذ المراد طهوريّة الأرض و إن ترتّبت، و إلّا فطهوريّة التراب متأخّرة عن الماء أيضاً قد يقال: إنّ المراد منه الأرض، بقرينة غيره من الأخبار، و هو أرجح من احتمال العكس من وجوه لا تخفى. فظهر حينئذٍ ضعف تأييد مذهب الخصم به، بل و كذا أخبار التراب مع عدم سوق بعضها لبيان ذلك، و مع عدم الأمر بالتيمّم به حتى ينافي ما دلّ على الأرض، و مع دعوى شيوع فرد التراب منها، و كذا أخبار الطين [١]، بل بعضها ظاهر في التأييد للمختار [أي جواز التيمّم بكلّ ما يقع عليه اسم الأرض] كما عرفت، على أنّ إطلاق لفظ الصعيد على التراب لا ينافي أنّه الأرض بعد شيوع استعمال الكلّي في الفرد. و دعوى ظهور الخصوصيّة منه ممنوعة، بل يمكن الجمع بين كلام أهل اللغة- و إن بَعُد- بهذا الاعتبار أو قريب منه، فيحمل التراب في كلامهم على إرادة التنصيص على أكمل الأفراد و أشيعها.
بل لعلّ ذلك جارٍ في كلّ ما كان من هذا القبيل في كلام أهل اللغة، و هو أولى من العكس قطعاً. أو يقال: إنّ تعارض كلام أهل اللغة في ذلك منبئ عن استعمال الصعيد في التراب و غيره، كما أنّه كذلك في نفس الأمر. و أصالة عدم الاشتراك و المجاز تقضي بكونه حقيقة في القدر المشترك سيّما بعد استعماله فيه نفسه، مع أنّه لو أغضينا عن ذلك كلّه لكان المتّجه الأخذ بجميع كلماتهم، فينبغي الحكم حينئذٍ باشتراك لفظ «الصعيد» بين الخاصّ و العامّ. كما عساه يومئ إليه ما عن المصباح المنير، قال بعد تفسيره الصعيد بوجه الأرض تراباً أو غيره: «و يقال الصعيد في كلام العرب على وجوه، على التراب الذي على وجه الأرض، و على الطريق» [٢] انتهى. بل و كذا ما في القاموس: «الصعيد التراب أو وجه الأرض» [٣] إن حمل لفظ «أو» فيه على معنى الواو. و على كلّ حال يكون ما ذكرناه سابقاً من الأمارات معيّناً لإرادة العامّ منها، مع احتمال ترجيح التفسير بالعامّ عليه بأنّه يؤول إلى تعارض الإثبات و النفي، تنزيلًا لتعدّد أفراد المعنى مع استعماله في كلّ منها على وجه الحقيقة منزلة تعدّد المعاني، و الأوّل مقدّم على الثاني، كما أنّه يرجّح أيضاً بالكثرة. و أمّا ما ذكره الخصم من التأييد بما دلّ على العلوق آية و رواية، ففيه:
١- مع عدم استلزام ذلك للتراب، بل يكفي الغبار و الرمل و نحوهما على الحجر و سحيق الحجر، بل التراب اليسير.
٢- و ابتنائه على:
أ- اشتراط العلوق، و ستعرف ما فيه إن شاء اللّٰه.
ب- و على كون «من» في الآية للتبعيض، مع احتمالها السببيّة و البدليّة و الابتدائية.
جو على أنّ المراد بالتيمّم في الرواية المفسّرة له المتيمّم به، و فيه بحث سيّما بعد القطع بعدم وجوب مسح الوجه
[١] انظر الوسائل ٣: ٣٥٣، ب ٩ من التيمّم.
[٢] المصباح المنير: ٣٤٠.
[٣] القاموس المحيط ١: ٣٠٧.