جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠٣ - المطر
..........
و لا ريب أنّ للبول مع ذلك أثراً باقياً محسوساً، فإذا كان المطر قليلًا لا يبلغ حدّ الجريان لزمه التغيّر فينجس به دون الملاقاة. و لإرادة التدافق و التكاثر منه احترازاً عن القطرات اليسيرة التي لا يعتدّ بها. و لإرادة نفي البأس حال جريانه و نزوله، و الغرض المنع عن أخذه بعد الانقطاع، بناءً على عدم طهارة السطح بمجرّد وصول ماء المطر إليه، فإنّه إذا لم يطهر به و بقي فيه شيء بعد الانقطاع نجس بمحلّه النجس، فلم يجز استعماله في الطهارة. و لإرادة النزول من السماء على أن يكون مراداً به التعليل لا الشرط حتى يرد عليه أنّه لا طائل تحته.
٥- على أنّ أقصاه ثبوت البأس الذي هو أعمّ من المنع؛ إذ لعلّ وجهه توقّف النظافة. بل لو سلّم إرادة المنع منه فهو أعمّ من النجاسة؛ إذ لعلّه لكونه بعد الانقطاع غسالة غير رافعة للحدث.
٦- بل ظاهر الصحيح المذكور إناطة بعض الأحكام بالجريان، و هو لا ينافي ثبوت غيره.
٧- بل ربّما قيل: إنّه لا يراد منه الشرط هنا [/ طهارة ماء المطر] قطعاً؛ ضرورة أنّه إذا لم يكن طاهراً لم يطهّره الجريان.
لكن قد يدفعه: أنّ الخصم لا يلتزم نجاسته لو باشر نجاسة قبل أن يجري؛ حتى يرد عليه عدم معقوليّة الطهارة بالجريان، بل حكي [١] الإجماع على عدم ذلك. بل لعلّه يقول: إذا جرى انكشف أنّه من الماء الذي لا يقبل النجاسة بالملاقاة، نظير المختار بالنسبة للقطرات اليسيرة ابتداءً، فإنّه ينكشف عدم قابليّتها للنجاسة إذا تواتر بعدها المطر و قوي مثلًا، لا أنّها تنجس ابتداءً، فيسقط حينئذٍ ردّ الصحيح من هذا الوجه. بل قد يناقش في بعض ما تقدّم من الوجوه السابقة أيضاً، إلّا أنّ ذلك لا يقدح في جميع ما سمعت؛ إذ البعض كافٍ حينئذٍ. كما أنّه يكفي في ردّ ما عساه يتمسّك به لمن اعتبر الكثرة الموجبة للجريان تقديراً- من صحيح هشام بن سالم المتقدّم سابقاً، فإنّ قوله (عليه السلام) فيه: «ما أصابه من الماء أكثر» [٢] بمنزلة التعليل لنفي البأس، فيفهم منه ثبوته إذا لم يكن كذلك [أكثر]- أن يقال:
١- إنّ المراد بالأكثرية هنا القهر و الغلبة دون المقداريّة؛ إذ البول الجاف لا مقدار له.
٢- على أنّ أكثرية الماء من البول لا تقتضي تحقّق الجريان فيه؛ إذ ربّما لم يجر و هو أكثر منه.
٣- و محتمل لرجوع ضمير «أصابه» إلى الثوب، أي أنّ القطرات الواصلة للثوب أكثر من البول الذي أصابه.
٤- بل قد يقال: إنّ انتفاء العلّة المنصوصة لا يقتضي انتفاء المعلول و إن كان اطّرادها يقتضي اطّراده، بناءً على حجّية منصوص العلّة، إلى غير ذلك. و كذا ما يتمسّك به للقائل بطهارة القطرة و القطرات- من عموم مرسل الكاهلي [٣]- يدفعه: المنع من تسميته ماء مطر. كما أنّه يدفع ما يقال- لو نجست القطرة بالملاقاة لنجس الأكثر بذلك أيضاً؛ إذ المطر ليس إلّا قطرات متعدّدة-:
إنّه من الجائز تقوّي القطرة باتّصال التقاطر، كتقوّي الجرية باتّصال الجاري، و هو واضح.
فظهر لك من ذلك كلّه بحمد اللّٰه أنّ التحقيق كونه كالجاري، جرى حقيقة أو حكماً أو لم يجر.
[١] مصابيح الأحكام: ٣٤.
[٢] الوسائل ١: ١٤٤- ١٤٥، ب ٦ من الماء المطلق، ح ١.
[٣] المصدر السابق: ١٤٦، ح ٥.