جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥٨ - النوع الثامن المسكر
..........
و لقد أجاد المحقّق الشيخ حسن في المنتقى على ما نقل عنه حيث اقتصر عليها في أدلّة النجاسة [١]. و فيها تصديق لما رواه الشيخان في الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن- الذي هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، و أقرّوا له بالفقه و العلم- عن بعض من رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، و إن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، فإن صلّيت فيه فأعد صلاتك» [٢]. إذ الظاهر أنّ الرواية المأمور بأخذها هي هذه؛ لمطابقة متنها له و اتّحاد المروي عنه فيهما.
و لقد قصر الكلام بعد ما عرفت عن إبداء العجب من هؤلاء المتأخّرين في تشكيكهم بهذا الحكم المجمع عليه بين الأساطين، بل بين علماء المسلمين، بل كاد أن يكون ضروري مذهب أو دين، و إن كان أوّل من جرّأهم عليه المصنّف في المعتبر [٣].
و كيف لا يزداد العجب؟! و لا معارض إلّا ما سمعته من تلك الأخبار الواجبة للطرح أو التأويل أو الحمل على التقيّة من بعض ٦/ ١٠/ ١٦
المخالفين سيّما من ربيعة الرأي؛ إذ هو على ما قيل [٤] من فقهاء المدينة و شيوخ مالك و كان في عصر الصادق (عليه السلام) فلا غرو أن يتّقى منه، خصوصاً مع ملائمته لطباع السلاطين وذي الشوكة من امراء بني اميّة و بني العبّاس المولعين بشربها المتهالكين عليه، حتى أنّهم ربّما حاولوا دفع التحريم عنه كما يشير إليه حديث المهدي العبّاسي مع الكاظم (عليه السلام) [٥]. و التظاهر بنجاستها تقذير عليهم و تنجيس لهم بشربها و مزاولتها، بل ربّما نقل عن بعضهم أنّه كان يؤمّ الناس و هو سكران فضلًا عن تلوّثه و ثيابه بها. على أنّ الرمي بالنجاسة من أشدّ ما يكره على الطبع و أعظم ما يرد على النفس، و لا كذلك التحريم، خصوصاً بالقياس إلى السلاطين الذين لا يتحاشون عن المحرّمات.
و اشتهار الفتوى بالنجاسة بين علمائهم لا ينافي ذلك [حمل أخبار طهارة الخمر و المسكر على التقيّة]؛ إذ لم يكن عليهم فيه تقيّة، بل كانوا يتظاهرون بخلاف ما هم عليه، و يجاهدونهم بالردّ و الكفاح و لا يراقبونهم في ذلك. بل كان ذو الشوكة منهم يتحمّله و لا يبالي به؛ لعلمه بأنّ ذلك لا يحدث فتقاً في سلطانه، و لا يهدم ركناً في بنيانه؛ إذ لم يكن فيهم من يرشّح نفسه للإمامة و الخلافة الكبرى و الرئاسة العظمى.
إنّما كانت التقيّة على أئمّة الحقّ (عليهم السلام) المحسودين للخلق، و هم الذين لا يدانيهم في الفضل أحد، و الذين ورد عليهم من حسد أئمّة الجور ما قد ورد.
فما توهّمه بعض الفضلاء [٦]- من أنّ تقيّة السلاطين لو اقتضت الحكم بالطهارة لكان أولى الناس بها فقهاء العامّة؛ لشدّة مخالطتهم إيّاهم و عكوفهم لديهم، مع أنّ معظمهم على النجاسة- في غير محلّه كما عرفت.
[١] منتقى الجمان ١: ٨٦.
[٢] الكافي ٣: ٤٠٥، ح ٤. التهذيب ١: ٢٧٨، ح ٨١٨. الوسائل ٣: ٤٦٩، ب ٣٨ من النجاسات، ح ٣.
[٣] المعتبر ١: ٤٢٤.
[٤] مصابيح الأحكام: ٢٩١.
[٥] الوسائل ٢٥: ٣٠١، ب ٩ من الأشربة المحرّمة، ح ١٣.
[٦] الذخيرة: ١٥٤.