جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٤ - مسّ ما لا عظم فيه
..........
الميّت برطوبة و عدمه؛ ضرورة عدم تعرّض في الأدلّة لشيء من ذلك، فالتفصيل بين المباشر بيبوسة فحكميّة لا تتعدّى إلى غيره، و برطوبة فتتعدّى ممّا لا نعرف له وجهاً؛ و لذا كان ظاهر المحكيّ من عبارة نهاية الإحكام العينيّة في الجميع، بل نسبه إلى ظاهر الأصحاب [١]، و ظاهر السرائر [٢] أو صريحها الحكميّة في الجميع، فلا ينجس ما باشر الميّت- و لو برطوبة- غيره و إن كان رطباً، و لعلّه الظاهر من جنائز القواعد [٣] أيضاً.
و إذ قد وقع من بعض الأصحاب [٤] إنكار استفادة ذلك من عبارة السرائر أحببنا أن ننقلها بنفسها، قال فيها: «و يغتسل الغاسل فرضاً واجباً إمّا في الحال أو فيما بعده، فإن مسّ مائعاً قبل اغتساله و خالطه لا يفسده و لا ينجّسه، و كذلك إذا لاقى جسد الميّت من قبل غسله إناءً ثمّ افرغ في ذلك الإناء قبل غسله مائع، فإنّه لا ينجس ذلك المائع و إن كان الإناء يجب غسله؛ لأنّه لاقى جسد الميّت، و ليس كذلك المائع الذي يحصل فيه؛ لأنّه لم يلاق جسد الميّت، و حمله على ذلك قياس و تجاوز في الأحكام بغير دليل، و الأصل في الأشياء الطهارة إلى أن يقوم دليل قاطع للعذر، و إن كنّا متعبّدين بغسل ما لاقى جسد الميّت؛ لأنّ هذه نجاسات حكميّة و ليست عينيّات، و أحكام شرعيّات، فنثبتها بحسب الأدلّة الشرعيّة. و لا خلاف أيضاً بين الامّة كافّة أنّ المساجد يجب أن تنزّه و تجنّب النجاسات العينيّات، و قد أجمعنا بلا خلاف بيننا على أنّ من غسّل ميّتاً [أن يدخل المسجد و] يجلس فيه فضلًا عن مروره و جوازه و دخوله إليه، فإن كان نجس العين لما جاز ذلك، و أدّى إلى تناقض الأدلّة. و أيضاً فإنّ الماء المستعمل في الطهارة على ضربين: ما استعمل في الصغرى، و الآخر في الكبرى، و الماء المستعمل في الصغرى لا خلاف بيننا في أنّه طاهر مطهّر، و الماء المستعمل في الطهارة الكبرى الصحيح عند محقّقي أصحابنا أيضاً طاهر مطهّر، و من خالف فيه من أصحابنا قال: هو طاهر يزيل النجاسات العينيّات و لا يرفع به الحكميّات، فقد اتّفقوا جميعاً على أنّه طاهر، و من جملة الأغسال و الطهارات الكبار غسل من مسّ ميّتاً، فلو نجس ما يلاقيه من المائعات لما كان الماء الذي قد استعمله في غسله و إزالة حدثه طاهراً بالاتّفاق و الإجماع الذي أشرنا إليه» ٥ انتهى.
و هو صريح فيما حكيناه عنه، نعم لا صراحة فيه في ثبوت ما ذكره من حكميّة النجاسة في ملاقي الميّت يابساً و إن كان ظاهره ذلك، لكنّه لا يخفى عليك أنّه قد اشتمل على غرائب دعوىً و دليلًا، خصوصاً ما ذكره أخيراً؛ إذ لا بحث في طهارة ماء غُسله- بالضمّ- بعد تطهيره من النجاسة الحاصلة بالملاقاة.
بل و ما ذكره أيضاً أوّلًا؛ إذ ليس الحكم بنجاسة المائع الملاقي للإناء للقياس على الإناء، بل لما ذكره المصنّف في المعتبر في الردّ عليه- و لقد أجاد- من أنّه «لمّا اجتمع الأصحاب على نجاسة اليد الملاقية للميّت و أجمعوا على نجاسة المائع إذا وقعت فيه نجاسة، لزم من مجموع القولين نجاسة ذلك المائع، لا للقياس» [٦]. كما أنّه أجاد في ردّه عليه فيه بالنسبة إلى باقي ما ادّعاه أيضاً،
[١] نهاية الإحكام ١: ١٧٣.
[٢] ٢، ٥ السرائر ١: ١٦٣.
[٣] القواعد ١: ٢٣٥.
[٤] كشف اللثام ٢: ٤٢٩.
[٦] المعتبر ١: ٣٥٠.