جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٥ - مسّ ما لا عظم فيه
..........
و من هنا رماه بالضعف تارةً، و بالخبط اخرى، إلّا أنّه قال بعد ذلك: «اللّهمّ إلّا أن يريد أنّ الميّت ليس بنجس، و إنّما يجب الغسل تعبّداً كما هو مذهب الشافعي» [١].
قلت- مع أنّ كلامه صريح في خلافه-: قد عرفت فيما مضى حكاية الإجماع من غير واحد، بل و تحصيله على النجاسة، و لقد أطنب المصنّف في مناقشته و الإزراء عليه بما لا يسع المقام ذكره مفصّلًا، بل و لا يحتاج بعد وضوح فساد الدعوى. و لعلّ صدور مثل ذلك من الحلّي، كصدور نظيره من العلّامة في خصوص المباشر اليابس [مع أنّه يقول بنجاسة الملاقي في اليابس] و ما سمعته سابقاً من الخلاف في النجاسة و عدمها في حال الحرارة. و كذا إطلاق بعضهم حكميّة نجاسة الميّت، و آخر العينيّة، و نحو ذلك هو الذي ألجأ الصيمري في كشف الالتباس إلى إساءة الأدب مع الأصحاب الذين بهم تمّت الحجّة و قامت الشريعة، و إلى ما لا نأمل أن يقع من مثله بالنسبة إليهم، قال فيه: «اعلم أنّ نجاسة الميّت أشكل مسألة في الشرع، و لقد خبط فيها علماء السنّة و الشيعة خبط عشواء» [٢].
ثمّ إنّه أطنب في المقال غاية الإطناب، و ظنّ أنّه جاء بشيء، و الناظر فيه يعلم أنّه عن ذاك بمعزل. وليت شعري ما الذي حداه إلى ذلك هنا؟! فإن كان تعدّد أقوال الأصحاب فهو أقلّ قليل بالنظر إلى غير المقام، و إن كان إجمال الأمر عليه حيث لم يعرف مرادهم بالحكميّة و العينيّة، فهو قصور منه لا عيب منهم، مع أنّه صرّح غير واحد بما يكشف ذلك، فقال: إنّ الحكميّة:
١- قد تطلق و يراد بها ما لا جرم له من النجاسات كالبول اليابس و نحوه.
٢- و قد تطلق و يراد بها ما يكون المحلّ الذي قامت به طاهراً لا ينجس الملاقي له [و لو بالرطوبة]، و يحتاج زوال حكمها إلى النيّة.
٣- و قد تطلق و يراد بها ما يقبل التطهير من النجاسات كبدن الميّت.
٤- و قد تطلق و يراد بها ما حكم الشارع بتطهيرها من غير أن يلحقها حكم غيرها من النجاسات العينية، و تقابلها العينيّة في الأربعة.
فإطلاق الأصحاب حينئذٍ عليها حكميّة تارةً و عينيّة اخرى إنّما هو باختلاف الجهتين و الاعتبارين، أو من جهة اختيار أحد القولين السابقين، و ليس ذلك من التناقض في شيء، حتى يلتجئ له إلى هذا التشنيع الشنيع، و كأنّه لم يلحظ إيضاح الفخر أو جامع المقاصد و الروض و فوائد القواعد [٣]. و قد عرفت أنّ الأقوى عندنا أنّها حكميّة، بمعنى قبولها للتطهير و احتياجها إلى النيّة، و عينيّة بمعنى تعدّي النجاسة منها إلى ما يلاقيها برطوبة، و كذا ما لاقى ما يلاقيها كذلك و لو لا مخافة الإطناب لتعرّضنا إلى ما يكشف عنه ما توهّم من دعوى التناقض في كلمات الأصحاب، كما أنّه لولاه لكشفنا اللثام عن امور اخر لها نوع تعلّق في المقام، و لعلّ فيما ذكرنا الكفاية إن شاء اللّٰه.
[١] المعتبر ١: ٣٥١.
[٢] كشف الالتباس ١: ٣٢٠.
[٣] الإيضاح ١: ٦٥- ٦٦. جامع المقاصد ١: ٤٦٠- ٤٦١. الروض ١: ٣١٣. فوائد القواعد: ٥٩.