جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠٤ - المطر
[و التحقيق أنّ ماء المطر كالجاري جرى حقيقة أو حكماً أو لم يجر] فالماء النجس يكفي في تطهيره حينئذٍ وقوع قطرات المطر عليه (١) من غير حاجة إلى انتظار الامتزاج بناءً على عدم اعتباره في أمثاله بل و عليه أيضاً (٢).
(١) لاتّصاله حينئذٍ بالجاري.
(٢) لإمكان دعوى الاستغناء [عن اعتبار الامتزاج] هنا خاصّة بقوله (عليه السلام): «كلّ شيء رآه ماء المطر» [١]. معتضداً بإطلاق الآيتين إن قلنا باستفادة تعميم كيفيّة التطهير منهما. و القول بعدم صدق رؤية ماء المطر له إلّا باستيعابه تماماً- المتعذّر ذلك بالنسبة للتقاطر، بل إن كان يتحقّق فهو بغيره- ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه. بل يمكن أن يدّعى الصدق المذكور بالقطرة الواحدة فيطهر بها حينئذٍ. كما حكاه الشهيد الثاني عن بعض من عاصره من السادة، بل قال هو: «أنّه ليس ببعيد، لكن العمل على خلافه» [٢] انتهى. قلت: و هو كذلك، بل قد يمنع كونه على خلافه، أو يسلّم و يمنع حجّية مثله. كما أنّه يؤيّد بما تقدّم تقريره هناك في باب المياه من أنّ القطرة الواحدة المحكوم عليها بأنّها كالجاري بعد اتّصالها بالماء النجس: فإمّا أن يطهر النجس أو ينجّس الطاهر أو يبقى كلّ على حكمه، لا سبيل للثالث؛ إذ ليس لنا ماء واحد بعضه طاهر و بعضه نجس، كما لا سبيل لسابقه بعد فرض ٦/ ٣٢٠/ ٥٠٠
كونه كالجاري، فلم يبق إلّا الأوّل، فيطهر حينئذٍ أوّل جزء ثمّ يطهر الباقي في زمان واحد. و هذا لا ينافي ما قدّمناه سابقاً من عدم الاجتزاء بالقطرة و القطرتين للفرق الواضح؛ إذ المراد بعدم الاجتزاء هناك إنّما هو في أصل مسمّى المطر لا بالنظر إلى ما يصيب منه بعد تحقّقه. لكن ربّما اشتبه ذلك على بعضهم فظنّهما من وادٍ واحد، و لذا نسب إلى السيّد- الذي هو في عبارة الشهيد- القول بالاجتزاء بالقطرة و القطرتين في أصل المطريّة، و جعله قولًا مستقلّاً من الأقوال السابقة [٣]. و الأمر سهل بعد أن عرفت ضعفه على أحد التقديرين، و صوابه على الآخر. و ما عن المعالم من الحكم بغلطه [٤] أيضاً- للفرق بين المقامين بتقوّي الجزء الملاقي للنجس باتّصاله بالكثير، أو ما كان بحكمه هناك، بخلافه هنا؛ إذ أقصاه تطهير القطرة ما تلاقيه، ثمّ يجري عليها حكم الانقطاع بعد ذلك، و هي بعده في حكم القليل، فليس للجزء الذي طهر بها مقوّم حينئذٍ ليستعين به، بل هو معها حين الانقطاع ماء قليل ينجس بالملاقاة- من غرائب الكلام؛ ضرورة أنّ القطرة بالنسبة إلى أوّل ملاقاتها بحكم الجاري قطعاً، ففي آن طهارة الجزء الملاقي لها يطهر الجميع حينئذٍ دفعة من غير حاجة إلى ترتّب زماني كما تقدّم ذلك في محلّه، أقصاه التقدّم ذاتاً، و هو كافٍ، و جريان حكم الانقطاع عليها بعد ذلك غير ضائر. على أنّه يجري مثل الإشكال المذكور أيضاً فيما لو تواتر القطرات على الماء النجس؛ لحصول الانقطاع بالنسبة إلى كلّ قطرة لاقت ذلك الماء فتنجس به حينئذٍ، و هو واضح الفساد عند القائلين بكونه كالجاري حال تقاطره.
هذا كلّه بعد الإغضاء عمّا يمكن دعواه في المقام- و إن لم أجده محرّراً في كلام الأصحاب، بل المحرّر غيره- من القول بأنّ ماء المطر له حكم الجاري حال تقاطره قبل ملاقاته جسماً من الأجسام، و بعده أيضاً لكن بشرط عدم انقطاع التقاطر من السماء، و عدم صيرورته في مكان يصدق عليه اسم الانقطاع عن المطر عرفاً، كما لو وضع في خابية و ترك في بيت مثلًا، بل كان متعرّضاً و متهيّئاً لوقوع التقاطر عليه، فإنّ الظاهر جريان حكم الجاري عليه بنفسه كما كان حال تقاطره قبل استقراره، لا لاتّصاله بالجاري أي القطرات الواقعة و إلّا فهو في حكم المنقطع.
[١] المصدر السابق.
[٢] الروض ١: ٣٧٢.
[٣] مصابيح الأحكام: ٣٥.
[٤] المعالم ١: ٣١٤.