جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧١ - العصير غير العنبي
..........
و مع ذا، فهو [دعوى ظهور الصحيح في تعدّد الأفراد و تكثّرها ثمّ تخصيصها أو حملها على المتعارف] ليس بأولى من حمله على إرادة العموم بالنظر إلى أفراد العنب و أقسامه، و إلى ما ظهر إسكاره أو اتّخذ له و عدمه، و إلى ما اخذ من كافر أو مسلم مستحلّ لما دون الثلثين و عدمه، و إلى الممزوج بغيره مع عدم الاستهلاك و عدمه، إلى غير ذلك.
و ربّما يؤيّده [حمل «كلّ عصير» في الصحيح على إرادة أفراد العنب] تعرّض النصوص لحكم العصير في بعض الأحوال المذكورة أو أكثرها.
بل لعلّ تنزيل الصحيح على ذلك [أفراد العنب] متعيّن، بناءً على ما سمعته من معروفيّة إطلاق العصير على خصوص العنبي.
و أمّا خبرا النضوح [١] فلعلّ الوجه فيهما إرادة التعليم لدفع الخمرية الحاصلة من إنباذ التمر و إنقاعه؛ و ذلك لأنّ النضوح ضرب من الطيب يتّخذ من ماء التمر و غيره.
و قد حكي عن بعض الأفاضل [٢] في كيفيّته أنّه ينقعون التمر و السكّر و القرنفل و التفاح و الزعفران و أشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من ماء، و يشدّ رأسها و يصبرون أياماً حتى ينشّ و يتخمّر.
و هو شائع بين نساء الحرمين، و كيفيّة تطيّب المرأة به أن تحطّ الأزهار بين شعر رأسها ثمّ ترشرش به الأزهار لتشتدّ رائحتها.
قلت: و لذا أمر الصادق (عليه السلام) بإهراقه في البالوعة في خبر عيثمة [٣]، قال: دخلت عليه و عنده نساؤه، فشمّ [٤] رائحة النضوح، فقال: «ما هذا؟» قالوا: نضوح يجعل فيه الضياح، فأمر به فاهريق في البالوعة [٥] الحديث. فأراد الإمام (عليه السلام) بذهاب الثلثين زوال الأجزاء المائيّة التي هي منشأ الاختمار كما في العنب.
و يومئ إلى ذلك كلّه ما عرفته من أنّ النضوح إنّما يستعمل في غير المأكول، و من اعتبر ذهاب الثلثين إنّما يعتبرها للأكل، فيعلم حينئذٍ إرادة التخلّص بذلك [بالكيفيّة الواردة في خبري النضوح] عن الخمرية المورثة نجاسة في الشعر و غيره من محالّ الطيب، و هو الذي سأل الراوي عن حلّه.
اللّهمّ إلّا أن يكون القائل باعتبار الثلثين اعتبر ذلك بالنسبة للحرمة و النجاسة، كما لعلّه الظاهر من المحكيّ عن بعضهم [٦]، إلّا أنّك قد عرفت سابقاً حكاية الإجماع على الطهارة.
و كيف كان، فحمل الخبرين على ما ذكرنا [من إرادة التعليم لدفع الخمرية] متّجه، لا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال.
[١] الوسائل ٢٥: ٣٧٣، ٣٧٩، ب ٣٢، ٣٧ من الأشربة المحرّمة، ح ٢، ١.
[٢] مجمع البحرين ٢: ٤١٩.
[٣] في التهذيب: «عثيمة».
[٤] في المصدر: «قال: فشمّ».
[٥] التهذيب ٩: ١٢٣، ح ٥٢٩. الوسائل ٢٥: ٣٧٣، ب ٣٢ من الأشربة المحرّمة، ح ١.
[٦] الحدائق ٥: ١٤١، نقلًا عن الشيخ سليمان البحراني.