جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٦٨ - العصير غير العنبي
..........
الفضلاء، بل ربّما استظهر نفيه- أي الخلاف- من اللمعتين و أطعمة المسالك أيضاً [١].
و لا ينافيه [نفي الخلاف] تردّد الفاضلين بذلك في حدود الشرائع و القواعد و لا قولهما: «الأشبه» و «الأقرب» [٢]؛ إذ لعلّه لتعارض الأمارات لا لوجود القائل، بل هو الظاهر منهما سيّما الأوّل [أي الشرائع] كما يومئ إليه عدم حكاية ذلك في وجه التردّد عن أحد من شرّاح كلامهما:
١- للُاصول العقليّة و الشرعيّة السالمين عن المعارض المعتضدين بالسيرة و العمل من سائر المسلمين في عصرنا هذا الكاشف عمّا قبله.
٢- و لتعليق الحلّ و الحرمة على الإسكار و لو بالكثير و عدمه في الأخبار [٣] المستفيضة جدّاً إن لم تكن متواترة، و فيها الصحيح و الحسن و غيرهما، المتضمّنة أسئلتها عن نبيذ التمر و غيره، حتى أنّه في خبر ابن وهب عن الصادق (عليه السلام): قلت له: إنّ رجلًا من بني عمّي من صلحاء مواليك أمرني أن أسألك عن النبيذ، فأصفه لك؟ فقال (عليه السلام): «أنا أصفه لك، قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): كلّ مسكر حرام، فما أسكر كثيره فقليله حرام» [٤] الحديث.
و دعوى عدم منافاتها لتحقّق الإسكار فيه و لو خفيّاً بغليانه قبل ذهاب ثلثيه و لو باعتبار بعض الأمزجة أو الأمكنة أو الأزمنة أو الأهوية. و مَن جرّب ذلك بالكثير منه فوجد خلافه؟ مع الغضّ عمّا فيها [الأخبار] من الاكتفاء بذلك البعض و إجمال الكثرة و غيرهما، ممنوعة أشدّ المنع؛ لعدم الشاهد لها من عقل أو شرع أو عرف، بل لعلّ الأخيرين شاهدا عدل على خلافها؛ إذ الوجدان و العيان على عدم تحقّق الإسكار بأكثر ما يستطيع شربه الإنسان.
و ترك الشارع بيانه في وقت الحاجة و السؤال- مع شدّة خفائه إن فرض إسكاره- أكبرُ شاهد على عدمه، بل كاد يكون خبر محمّد بن جعفر عن أبيه (عليه السلام)- في القوم الذين قدموا من اليمن فأرسلوا وفداً لهم يسأل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن عصير التمر، ثمّ لم يكتفوا بذلك حتى سألوه بأنفسهم [٥]- صريحاً في ذلك سؤالًا و جواباً [٦]، مع وضوح دلالته على أصل المطلوب من وجوه اخر، فلاحظ.
[١] الروضة ٧: ٣٢١. المسالك ١٢: ٧٦.
[٢] الشرائع ٤: ١٦٩. القواعد ٣: ٥٥٠.
[٣] انظر الوسائل ٢٥: ٣٣٦، ب ١٧ من الأشربة المحرّمة.
[٤] المصدر السابق: ح ١.
[٥] الوسائل ٢٥: ٣٥٥، ب ٢٤ من الأشربة المحرّمة، ح ٦.
[٦] في هامش المطبوعة ورد ما يلي: «قال: قدم على رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) من اليمن قوم، فسألوه عن معالم دينهم فأجابهم، فخرج القوم بأجمعهم، فلمّا ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض: نسينا أن نسأل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) عمّا هو أهمّ إلينا، ثمّ نزل القوم، ثمّ بعثوا وفداً لهم فأتى الوفد رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالوا: يا رسول اللّٰه إنّ القوم بعثوا بنا إليك يسألونك عن النبيذ، فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): و ما النبيذ؟ صفوه لي، فقالوا: يؤخذ من التمر فينبذ في إناء ثمّ يصبّ عليه الماء حتى يمتلئ و يوقد تحته حتى ينطبخ، فإذا انطبخ أخذوه فألقوه في إناء آخر ثمّ صبّوا عليه ماءً ثمّ يمرس ثمّ صفّوه بثوب ثمّ يلقى في إناء ثمّ يصبّ عليه من عكر ما كان قبله ثمّ يهدر و يغلى ثمّ يسكن على عكرة، فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا هذا قد أكثرت، أ فيسكر؟ قال: نعم، فقال: فكلّ مسكر حرام، قال: فخرج الوفد حتى انتهوا إلى أصحابهم فأخبروهم بما قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال القوم: ارجعوا بنا إلى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى نسأله عنها شفاهاً و لا يكون بيننا و بينه سفير، فرجع القوم جميعاً، فقالوا: يا رسول اللّٰه إنّ أرضنا لأرض دويّة و نحن قوم نعمل الزرع و لا نقوى على العمل إلّا بالنبيذ، فقال لهم رسول اللّٰه: صفوه لي، فوصفوه كما وصفه أصحابهم، فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): أ فيسكر؟ فقالوا: نعم، قال: كلّ مسكر حرام»، (منه (رحمه الله)).