جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٩ - الاستحالة و الانقلاب
..........
و مع ذلك كلّه يشهد له التتبّع لكلمات الأصحاب مع التأمّل فيها و التدبّر، حتى عبارة السرائر السابقة، منها: ما في النافع و الكتاب و التحرير و الدروس بل و الإرشاد [١]؛ لإطلاقهم عدم طهارة المستهلك، و تصريح بعضهم بخلاف الشيخ و أنّه متروك و لا وجه له، خصوصاً و عبارة الشيخ لا صراحة فيها بإرادة انقلاب ذلك الخمر الباقي؛ لاحتمالها إرادة الممزوج منه، قال فيها [في النهاية]: «إذا وقع شيء من الخمر في الخلّ لم يجز استعماله إلّا بعد أن يصير ذلك الخمر خلّاً» [٢] بجعل الإشارة فيها إليه، فعدّه حينئذٍ مخالفاً كالصريح فيما قلنا.
و احتمال إرادة الإرشاد و نحوه الردّ بذلك على أبي حنيفة القائل بالطهارة و الحلّية بالاستهلاك، يدفعه: الملاحظة له و لغيره مع التأمّل و التدبّر.
و مع ذلك كلّه فهو الموافق لمقتضى الأدلّة؛ ضرورة اقتضاء الأصل عدم طهارة الخلّ المتنجّس بالخمر؛ لفقد سائر المطهّرات بل و لا الخمر كما في شرح الاستاذ: «لأنّها و إن استهلكت في الخلّ إلّا أنّ الخلّ نجس، فهي مستهلكة في الشيء النجس، فيكون نجسة البتّة؛ لأنّها صارت خلّاً نجساً» [٣] انتهى، السالم عن معارضة ما دلّ على طهارة الخمر بالتخليل القاضي بطهارة ما يعالج به تبعاً، حتى صحيح ابن المهتدي بعد تنزيله على المتعارف المعتاد من عدم استهلاك المعالَج بالمعالج به ليكون تابعاً له. بل هو المنساق من تلك الأخبار [أي خبر زرارة و جميل و أبي بصير و ابن المهتدي]؛ ضرورة ظهورها- حتى الصحيح ٦/ ٢٩٠/ ٤٥٦
السابق- في بقاء الموضوع المنقلب إلى الخلّ لا مع هلاكه. بل خبر أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) كالصريح في ذلك، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر يصنع فيها الشيء حتى تحمض؟ قال: «إذا كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فيه فلا بأس» [٤]. بل خبره الآخر المتقدّم [٥] سابقاً كذلك إن قرئ: «يقلبها» فيه بالغين المعجمة. بل هو بعد الاستهلاك لا يصدق عليه اسم الخمر حتى يتحقّق الانقلاب و التحوّل و الاستحالة؛ لصيرورته خلّاً و إن لم يكن باستحالة و انقلاب؛ إذ سلب اسم الخمرية عنه و تسميته خلّاً أعمّ منهما، و الاكتفاء بالانقلاب التقديري الفرضي لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلّة خلافه. كظهورها في عدم الاكتفاء بالاستهلاك من غير انقلاب حتى باعتراف الخصم، و لذا اعتبر مضيّ زمان ينقلب فيه مثله. على أنّ طهارة الخمر بالخلّ مخالفة للضوابط، و لذلك اختصّ به من بين المائعات، فينبغي الاقتصار فيها على المتيقّن. بل لعلّ التأمّل الجيّد يشرف الفقيه الماهر على القطع بعدم طهارة الكثير جدّاً من الخلّ بتبعيّته لانقلاب قطرة خمر وقعت فيه و اضمحلّت في أجزائه. بل قد يقال: إنّه لا يمكن حصول اليقين بصيرورته [الخمر] خلّاً طبيعة؛ إذ لعلّ هذا الاستهلاك و الحموضة العارضة من الخلّ تمنع من ذلك. كما أنّ ترك الأمر به في كثير من الأخبار- مع سهولته، و إمكان تطهير أكثر أفراد الخمر به لتيسّر إهلاكه بالخلّ في غالب الأوقات- أوضح شاهد على ما ذكرنا [من عدم طهارة الخلّ بوقوع الخمر فيه و لو قليلًا و إن استهلك فيه]. إلى غير ذلك من المؤيّدات الكثيرة الظاهرة بالتأمّل في الأدلّة مع الإنصاف.
[١] المختصر النافع: ٢٥٦. الشرائع ٣: ٢٢٨. التحرير ٤: ٦٤١. الدروس ٣: ١٨. الإرشاد ٢: ١١٣.
[٢] النهاية: ٥٩٢- ٥٩٣.
[٣] المصابيح ٥: ٢٥٤.
[٤] الوسائل ٢٥: ٣٧٠، ب ٣١ من الأشربة المحرّمة، ح ٢.
[٥] تقدم في ص ٤٧٥.