جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥٤ - النوع الثامن المسكر
[كما يحرم شربها] (١) من غير فرق بين القليل و الكثير و المطبوخ و النيء، و المتّخذ من العنب و غيره كالنقيع من الزبيب، و النبيذ من التمر، و المسكر من الرطب، و الفضيخ من البسر، و البتع من العسل، و الجعة من الشعير، و المرز من الذرة، و غيرها من الأشربة المسكرة و لو بكثيرها (٢).
(١) إذ من المعلوم أنّ حرمة شرب سائر المسكرات في مذهبنا من المسلّمات، بل الضروريات.
(٢) بل عن الشافعي و أحمد و مالك و الثوري و الليث بن سعد و جمهور العامّة [١] موافقتنا في ذلك.
نعم حكي عن أبي حنيفة و صاحبيه [و هما أبو يوسف و الشيباني] خلاف ذلك، فأباح الأوّل المسكر من كلّ شيء عدا عصير العنب و نقيع التمر و الزبيب، و أحلّ من العصير ما طبخ على الثلث، و من النقيعين المطبوخ مطلقاً، لكنّه استثنى من المطبوخ القدر الذي يتعقّبه الإسكار، فلو شرب عشرة و سكر بالعاشر اختصّ التحريم به. و نحوه في ذلك كلّه صاحباه إلّا أنّ الشيباني منهما قد اشترط في حِلّ الثلاثة [الاولى] طبخها على الثلث [٢].
و قد خالفوا في ذلك الكتاب و السنّة، بل و ما هم عليه من القياس مع كونه جليّاً؛ تشهياً و طلباً للرخصة. و لعلّه لذا قيل [٣]:
إنّه قد شنّع عليهم فيه علماء العامّة فضلًا عن الخاصّة، و التشاغل في تحقيق ذلك غير مهمّ بعد ما عرفت.
فكأنّ المرتضى (رحمه الله) لم يعتدّ بخلاف الصدوق و من تقدّمه، و إلّا فهُم ممّن يقول بالحرمة دون النجاسة، و احتمال تخصيص كلامهم في الخمر دون غيره باطل قطعاً.
نعم يتّجه دعوى الإجماع المركّب بمعنى أنّ كلّ من قال بنجاسة الخمر قال بنجاسة سائر الأشربة المسكرة و من قال بطهارته قال بطهارتها، فيتّجه حينئذٍ الاستدلال عليها بكلّ ما دلّ على نجاسة الخمر من الإجماعات السابقة و غيرها كالآية [٤] بناءً على كون الرجس فيها بمعنى النجس، إمّا لغة كما في التذكرة و المنتهى [٥]، بل حكى في الثاني عن الصحاح و المجمل: أنّ الرجس- بالكسر- القذر، أو في خصوص المقام؛ لنفي الشيخ في التهذيب عنه الخلاف [٦]، بل في المصابيح: أنّه «نصّ عليه الفقهاء و ادّعى الشيخ عليه الإجماع» [٧].
و لعلّه لا ينافيه وقوعه مع ذلك خبراً عن الأنصاب و الأزلام؛ لإمكان أن يراد به بالنسبة إليهما المستقذر عقلًا من باب عموم المجاز.
على أنّه يمكن- بل هو الظاهر- دعوى كونه خبراً عن الخمر خاصّة، فيقدّر حينئذٍ لهما خبراً، و لا يجب مطابقة المحذوف و الموجود و إن كان دالّاً عليه، كما في عطف المندوب على الواجب بصيغة واحدة، فيتعيّن حينئذٍ كون الرجس بمعنى النجس.
و يؤيّده:
١- مضافاً إلى إطلاق الأمر بالاجتناب عنه في الآية بناءً على جعل الضمير فيه للرجس أو الخمر.
[١] المغني (لابن قدامة) ١٠: ٣٢٦- ٣٢٧. بداية المجتهد ١: ٤٩٢- ٤٩٣.
[٢] المبسوط؛ للسرخسي ٢٤: ١٣- ١٤.
[٣] مصابيح الأحكام: ٢٨٩.
[٤] المائدة: ٩٠.
[٥] التذكرة ١: ٦٤. المنتهى ٣: ٢١٤.
[٦] التهذيب ١: ٢٧٨.
[٧] مصابيح الأحكام: ٢٩٠.