جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٠٥ - غسل الميّت
..........
و ما يقال: إنّ الجنابة و الحيض و النفاس و نحوها لا توجب غسلًا بعد الموت حتى تدخل في غسل الميّت، حتى لو قلنا بوجوبها لنفسها؛ لسقوط سائر التكاليف بالموت، فلا بدّ من صرف ما ينافي ذلك من الأخبار السابقة عن ظاهره، فلا يصحّ الاستدلال بها على المطلوب. قد يدفع: بأنّ سقوط التكليف بالغسل لمكان الموت لا ينافي بقاء أثر حدث الجنابة- مثلًا- و وصفه بحيث لا يرتفع إلّا بالغسل، كما هو ظاهر الصحيح المتقدّم المشتمل على التعليل بأنّهما حرمتان قد اجتمعتا في حرمة واحدة، و مثله في ذلك الحسن كالصحيح عن الباقر (عليه السلام) [١] أيضاً. و ربّما يشعر به خبر تغسيل الملائكة عمر بن حنظلة لمكان جنابته [٢]. كما أنّه يقتضيه جميع ما دلّ على تحقّق وصف الجنابة و الحيض و نحوهما بمجرّد حصول أسبابها. نعم، لا دليل على وجوب الغسل على الغير لرفعها إن لم تدخل تحت غسل الميّت، مع إمكان التأمّل فيه أيضاً؛ من حيث ما ورد من تعليل غسل الميّت بأنّه لأجل أن يلقى اللّٰه تعالى و ملائكته طاهراً. فإذا كان الأمر كما ذكرنا من أنّ غسل الميّت يرفع آثار تلك الأحداث صحّ أن يقال ذلك أيضاً في المقام حينئذٍ؛ لأنّه بمنزلته، بل هو أولى.
هذا، مع إمكان تأييده في خصوص ما نحن فيه من المرجوم و المرجومة بشمول ما دلّ على التداخل هناك من قوله (عليه السلام): «إذا كان عليك للّٰه حقوق أجزأك عنها غسل واحد» [٣] لمثله. و ما يقال: من أنّ التداخل لا يتصوّر في المقام من حيث اختلاف كيفيّة غسل الميّت مع غسل الجنابة. قد يدفع: بأنّه لا مانع من أن يدخل تمام رافع الجنابة- مثلًا- في بعض غسل الميّت لو سلّمنا أنّ غسل الميّت مركّب من الأغسال الثلاثة بحيث يكون كلّ واحد جزءاً. و كذا ما يقال: إنّ غسل الميّت ليس من الأغسال الرافعة لحدث أو مبيحة لصلاة، فلا يتصوّر دخول ما كان كذلك فيه. لأنّا نقول: لا دليل على اشتراط التداخل بذلك، بل قد يظهر منه خلافه. نعم قد يستشكل في شمول خبر الحقوق لمثل هذا الفرد، سيّما مع عدم العموم اللغوي فيها. كما أنّه قد يستشكل في صحته لو قدّم على غسل الميّت من حيث نجاسة بدن الميت. و يستشكل أيضاً في كون هذا التداخل بالنسبة إلى غسل الميّت قهريّاً أو لا، بل يتبع نيّة المكلّف كما هو المختار فيما تقدّم من تداخل الأغسال من ظاهر الأخبار، و من أصالة عدم التداخل فيقتصر على المتيقّن. و قد يؤيّد الثاني أنّه وجه الجمع بين ما دلّ من الأخبار [٤] على الاجتزاء بغسل واحد للجنب و الحائض و نحوهما، و بين ما دلّ على التعدّد، كخبر العيص قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يموت و هو جنب، قال: «يغسّل من الجنابة ثمّ يغسّل بعدُ غسل الميّت» [٥]، و نحوه في الدلالة على ذلك خبراه الآخران ٦. و قال الشيخ- بعد ذكر هذه الأخبار-: هذه الروايات الثلاثة لا تنافي ما قدمنا من الأخبار؛ لأنّ أوّل ما فيها أنّ الأصل فيها واحد، و هو عيص بن القاسم، و لا يجوز أن يعارض بواحد جماعة كثيرة، و لو صحّ لاحتمل أن تكون محمولة على ضرب من الاستحباب دون الفرض و الإيجاب [٧]، ثمّ ذكر غير ذلك، فتأمّل.
[١] الوسائل ٢: ٥٣٩، ب ٣١ من غسل الميّت، ذيل الحديث ١.
[٢] تقدّم في ص ٤٠١.
[٣] الوسائل ٢: ٢٦٢، ب ٤٣ من غسل الجنابة، ح ١، مع اختلاف يسير.
[٤] انظر الوسائل ٢: ٢٦١، ب ٤٣ من غسل الجنابة.
[٥] ٥، ٦ الوسائل ٢: ٥٤١، ب ٣١ من غسل الميّت، ح ٧، ٦، ٨.
[٧] التهذيب ١: ٤٣٣، ذيل الحديث ١٣٨٨.