جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦١١ - مكروهات الدفن
..........
و دعوى أنّ مثل ذلك بهذا العنوان لا يُعدّ هتكاً ممنوعة، و المحكّم فيه العرف، و به يفرّق بين الحي و الميّت، سيّما مع عدم علمنا بوجود مصلحة في نقله تقابل هذه المفسدة المحقّقة و غيرها ممّا يعلمه اللّٰه دوننا حتى يضمحلّ هذا الهتك في جانبها؛ إذ لا يوزن ذلك إلّا علّام الغيوب و من أودعهم أسراره و حكمته. و لم نقف على ما يدلّ على خصوص ذلك منهم، بل لعلّ ترك السلف الماضين له من الصحابة و التابعين و غيرهم مع محافظتهم و شدّة اعتناء الأئمة (عليهم السلام) ببيان ما هو أقل من ذلك كاد يشرف الفقيه على القطع بعدم مشروعيّته.
٢- و أمّا خبر اليماني فهو: أ- مع أنّه فعل غير معصوم. ب- و عدم ظهور الرضا من أمير المؤمنين (عليه السلام) به.
جو لم يعلم كونه في الحال المتنازع فيه. د- لا يجوز التمسّك به في إثبات مثل هذا الحكم مع عدم الجابر و العاضد له.
٣- و أمّا دعوى القطع العقلي بالرجحان المذكور فهي في حيّز المنع عند تروّي العقل و معرفته بقصوره عن إدراك أحوال ذلك العالم من مصالحه و مفاسده.
٤- و أمّا إطلاق الأصحاب، ففيه: أ- مع انصرافه إلى غير ذلك قطعاً. ب- لا إطلاق في مثل قول المصنّف و نحوه: «و يكره النقل إلّا إلى المشاهد» إذ هو استثناء من النقل الجائز على كراهة، فلا شمول فيه لما لو كان النقل محرّماً؛ إذ لا ريب في حرمة مثل هذا النقل لو كان لغير المشاهد، فتأمّل جيّداً.
و تصريح الفاضل الميسي بعدم الفرق المذكور لا يستلزم ما نحن فيه. مع أنّه صرّح الشهيد في الذكرى بتقييد استحباب النقل إلى المشاهد بالقرب و عدم خوف الهتك [١]، كما أنّه صرّح بتقييده أيضاً بما لم يخشَ فساده ابن ادريس و المحقّق ٤/ ٣٥٠/ ٦٠٥
الثاني [٢] و عن الشهيد الثاني، و استجوده في الحدائق [٣].
٥- و أمّا الأولوية المذكورة- فبعد تسليمها- إنّما تثمر لو قلنا بذلك، و ستعرف الكلام فيه إن شاء اللّٰه.
٦- و أمّا إطلاق الأدلّة، فهو و إن كان كذلك لا يعارضها أوامر التعجيل بعد حملها على الاستحباب، إلّا أنّه لا يكاد يخفى على الممارس لكلمات الأصحاب في مقامات و أخبار الباب ظهور الاتفاق منهم على تقييد تلك المطلقات بما إذا لم يؤدّ التعطيل فيه إلى ظهور رائحته و انتهاك حرمته، بل لم يسوّغوا على الظاهر الانتظار به- بحيث يصل إلى بعض هذا- للكفن و الغسل و الكافور و نحوها، فأوجبوا دفنه بدونها، بل و كذا الدفن في الأرض على ما صرّح به بعضهم هناك [٤]، فيلقى في الماء، إلى غير ذلك، فالمراد بمقابل التعجيل المحكوم بجوازه و عدم استحبابه إنّما هو غير المؤدّي إلى ذلك. و احتمال القول- بأنّ المعلوم من تقييد تلك المطلقات إنّما هو إذا فسد بدون النقل إلى تلك الأراضي المشرّفة، و أمّا فيها فلا- تعسّفٌ و تهجّم يدفعه التأمّل و التتبّع لكلمات الأصحاب و أخبار الباب، بل قد يقال قويّاً: إنّ الإطلاقات قد تشهد للمطلوب باعتبار ظهور كون المراد منها و المطلوب استمرار الدفن و دوامه في سائر الأوقات؛ إذ ليست هي كالأمر بالضرب و نحوه ممّا يحصل الامتثال بإيجاد الطبيعة قطعاً، و من هنا يجب دفنه لو اتفق ظهوره، و هكذا.
[١] الذكرى ٢: ١٠.
[٢] السرائر ١: ١٧٠. جامع المقاصد ١: ٤٥٢.
[٣] الروض ٢: ٨٥١. الحدائق ٤: ١٥١.
[٤] راجع ص ٥٦٤.