الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٩ - الفصل الأخير من المجابهة مع الظّالمين
و النقطة الأخرى التي تلاحظ في الآية أنّ جملة: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ قد بدأت بفاء التفريع، و من الممكن أن يكون ذلك إشارة إلى أن إيمان فرعون الباهت في هذه اللحظة اليائسة و في ساعة الاحتضار كان كالجسد بدون روح و لذلك أثر بالمقدار الذي أنجى اللّه جسد فرعون من الماء بعد أن فارقته الروح، حتى لا يكون طعمة للأسماك و ليكون عبره للأجيال القادمة! و يوجد الآن في متاحف مصر و بريطانيا جثة أو جثتين من جثث الفراعنة التي بقيت محنّطة بالمومياء، فهل أنّ بدن فرعون المعاصر لموسى من بينها حيث حفظوه فيما بعد بالمومياء، أم لا؟
لا يمكننا اثبات ذلك، إلّا أنّ تعبير لِمَنْ خَلْفَكَ يقوي هذا الاحتمال في أن بدن ذلك الفرعون من بين هذه الأبدان، ليكون عبرة لكل الأجيال القادمة، لأنّ تعبير الآية مطلق و يشمل كل الأجيال في المستقبل (فتدبر جيدا).
و يقول في نهاية الآية: إنّه و بالرغم من كل هذه الآيات و الدلالات على قدرة اللّه، و مع كل الدروس و العبر التي ملأت تاريخ البشر فإنّ الكثير معرضون عنها وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ.
و تبيّن آخر آية من هذه الآيات النصر النهائي لبني إسرائيل، و الرجوع إلى الأرض المقدسة بعد الخلاص من قبضة الفراعنة، فتقول: وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ.
إنّ التعبير ب مُبَوَّأَ صِدْقٍ يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ اللّه سبحانه قد وفى بما وعد به بني إسرائيل و أرجعهم إلى الوطن الموعود، أو أنّ مُبَوَّأَ صِدْقٍ إشارة إلى طهارة و قدسية هذه الأرض، و بذلك تناسب أرض الشام و فلسطين التي كانت محط الأنبياء و الرسل.
و قد احتمل جماعة أن يكون المراد أرض مصر، كما يقول القرآن في سورة الدخان/ الآية (٢٥)- (٢٨): كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ.