الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٣ - المرحلة الرّابعة مرحلة البناء من أجل الثّورة
ثمّ تطرقت إلى مسألة تربية النفس معنويا و روحيا، فقالت: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ و من أجل أن تطرد آثار الخوف و الرعب من قلوب هؤلاء و تعيد و تزيد من قدرتهم المعنوية و الثّورية قالت: وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
يستفاد من مجموع هذه الآية أنّ بني إسرائيل كانوا في تلك الفترة بصورة جماعة متشتتة مهزومة و متطفلة و ملوّثة و خائفة، فلا مأوى لهم و لا اجتماع مركزي، و لا برنامجا معنويا بنّاء، و لا يمتلكون الشجاعة و الجرأة اللازمة للقيام بثورة حقيقية.
لذلك فإنّ موسى و أخاه هارون قد تلقوا مهمّة وضع برنامج في عدّة نقاط من أجل تطهير مجتمع بني إسرائيل، و خاصّة في الجانب الروحي:
١- الاهتمام أوّلا بمسألة بناء المساكن، و عزل مساكنهم عن الفراعنة، و كان لهذا العمل عدّة فوائد:
إحداها: أنّهم بتملّكهم المساكن في بلاد مصر سيشعرون برابطة أقوى تدفعهم للدفاع عن أنفسهم و عن ذلك الماء و التراب.
و الأخرى: أنّهم سينتقلون من الحياة الطفيلية في بيوت الأقباط إلى حياة مستقلة.
و الثّالثة: أنّ أسرار أعمالهم و خططهم سوف لا تقع في أيدي الأعداء.
٢- أن يبنوا بيوتهم متقاربة و يقابل بعضها الآخر. لأنّ القبلة في الأصل بمعنى حالة التقابل، و إطلاق كلمة القبلة على ما هو معروف اليوم إنّما هو معنى ثانوي لهذه الكلمة [١].
و أدّى هذا العمل الى تجمع و تمركز بني إسرائيل بشكل فاعل، و استطاعوا بذلك
[١] بعض المفسّرين لم يأخذوا القبلة في الآية أعلاه بمعنى المقابل، بل فسروها بنفس معناها، اي قبلة الصلاة، و يعتبرون جملة: (و أقيموا الصلاة) شاهدا على ذلك، إلّا أن المعنى الأوّل أنسب لمفهوم الكلمة اللغوي الأصلي، إضافة إلى أن إرادة كلا المعنيين من هذه الكلمة لا إشكال فيه أيضا، كما مر علينا نظير هذا مرارا.