الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٧ - سبب النّزول
النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقسما باللّه- في المسجد عند المنبر- أنّهما لا يكذبان، فاقتربا من المنبر في المسجد و أقسما، إلّا أن عامرا دعا بعد القسم و قال: اللّهم أنزل على نبيّك آية تعرّف الصادق، فأمّن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمون على دعائه. فنزل جبرئيل بهذه الآية، فلمّا بلغ قوله تعالى: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ قال جلاس: يا رسول اللّه، إنّ اللّه اقترح عليّ التوبة، و إنّي قد ندمت على ما كان منّي، و أتوب منه، فقبل النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم توبته.
و كما أشرنا سابقا فقد ذكر أن جماعة من المنافقين صمموا على قتل النّبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلّم في طريق عودته من غزوة تبوك، فلمّا وصل إلى العقبة نفروا بعيره ليسقط في الوادي، إلّا أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قد أطلع بنور الوحي على هذه النّية الخبيثة، فرد كيدهم في نحورهم و أبطل مكرهم. و كان زمام الناقة بيد عمار يقودها، و كان حذيفة يسوقها لتكون الناقة في مأمن تام، و أمر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم المسلمين أن يسلكوا طريقا آخر حتى لا يخفي المنافقون أنفسهم بين المسلمين و ينفّذوا خطتهم.
و لما وصل إلى سمع النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم وقع أقدام هؤلاء أو حوافر خيولهم أمر بعض أصحابه أن يدفعوهم و يبعدوهم، و كان عدد هؤلاء المنافقين اثني عشر أو خمسة عشر رجلا، و كان بعضهم قد أخفى وجهه، فلمّا رأوا أن الوضع لا يساعدهم على تنفيذ ما اتفقوا تواروا عن الأنظار، إلّا أن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم عرفهم و ذكر أسماءهم واحدا واحدا لبعض أصحابه [١].
لكن الآية- كما سنرى- تشير إلى خطتين و برنامجين للمنافقين: إحداهما:
أقوال هؤلاء السيئة. و الأخرى: المؤامرة و الخطة التي أحبطت، و على هذا الأساس فإنا نعتقد أن كلا سببي النزول صحيحان معا.
[١] ما ذكرناه اقتباس من تفسير مجمع البيان و المنار و روح المعاني و تفاسير أخر.