الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٠ - المرحلة الثّالثة
هذا إضافة إلى أنّ كبار السن الذين التحقوا فيما بعد بهذه الفئة لم يكن لهم دور مهم في المجتمع آنذاك، و كانوا ضعفاء و عاجزين، و هذا التعبير- كما نقل عن ابن عباس- في حقهم ليس ببعيد كما أنّنا حينما ندعو بعض أصدقائنا نقول: اذهب وادع الأولاد، بالرغم من أنهم قد يكونون كبارا، و إذا لم نتفق و هذا المعنى للآية، فإنّ الاحتمال الأوّل يبقى على قوته.
إضافة إلى أن الذرية و إن كانت تطلق عادة على الأولاد، إلّا أنّها من ناحية الأصل اللغوي- كما يقول الراغب في المفردات- تشمل الصغير و الكبير.
و الملاحظة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها هنا، هي أنّ المراد من الفتنة التي تستفاد من جملة أَنْ يَفْتِنَهُمْ هو صرف هؤلاء عن دين موسى بالتهديد و الإرعاب و التعذيب، أو بمعنى آخر إيجاد مختلف المصاعب و العراقيل امامهم سواء كانت دينية أو غير دينية.
على كل حال، فقد حدّث موسى هؤلاء بلسان المحبّة و المودة من أجل تهدئة خواطرهم و تسكين قلوبهم: وَ قالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ.
إنّ حقيقة التوكل هي إلقاء العمل و التصرف في الأمور على كاهل الوكيل، و ليس معنى التوكل أن يترك الإنسان الجد و السعي و ينزوي في زاوية و يقول: إنّ اللّه معتمدي و كفى، بل معناه أن يبذل قصارى جهده، فإذا لم يستطع أن يحل المشكلة و يرفع الموانع من طريقه، فلا يدع للخوف طريقا إلى نفسه، بل يصمد أمامها بالتوكل و الاعتماد على لطف اللّه و الاستعانة بذاته المقدسة و قدرته اللامتناهية، و يستمر في جهاده المتواصل، و حتى في حالات القدرة و الاستطاعة فإنّه لا يرى نفسه مستغنيا عن اللّه، لأنّ كل قدرة يتمتع بها هي من اللّه في النهاية.
هذا هو مفهوم التوكل الذي لا ينفك عن الإيمان و الإسلام، لأنّ الفرد المؤمن و المذعن لأوامر اللّه يعتقد أنّه قادر على كل شيء، و كل عسير مقابل إرادته سهل