الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - التّفسير
مقدار بقائهم في الدنيا، أي إنّهم يحسون أنّ أعمارهم كانت قصيرة إلى الحد الذي يكفي لالتقاء شخصين و تعارفهما ثمّ تفرقهما!.
و قد احتمل أيضا- في تفسير هذه الآية- أنّ المقصود هو الإحساس بقصر الزمان بالنسبة لحياة البرزخ، أي إنّ هؤلاء يعيشون في فترة البرزخ حالة شبيهة بالنوم بحيث لا يشعرون بمرور السنين و القرون و الأعصار، و يظنون في القيامة أن مرحلة برزخهم التي استغرقت آلاف أو عشرات الآلاف من السنين، لم تكن إلّا ساعة. و الشاهد على هذا التّفسير الآيتان (٥٥)- (٥٦) من سورة الروم، اللتان تقولان: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ. وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
يستفاد من هاتين الآيتين أنّ مجموعة من المجرمين يقسمون في القيامة أن فترة برزخهم لم تكن أكثر من ساعة، إلّا أنّ المؤمنين يقولون لهم: إنّ المدّة كانت طويلة، و الآن قد قامت القيامة و أنتم لا تعلمون. و نحن نعلم أن البرزخ ليس متساويا بالنسبة للجميع، و سنذكر تفصيل ذلك في ذيل الآيات المناسبة.
و بناء على هذا التّفسير، فإنّ معنى جملة يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ سيكون: إنّ هؤلاء يحسون بأنّ زمان البرزخ كان قصيرا بحيث أنّهم لم ينسوا أي أمر من أمور الدنيا، و يعرف بعضهم البعض الآخر جيدا. أو أنّ كلا منهم يرى أعمال الآخرين القبيحة هناك، و يطّلع كل منهم على باطن الآخر، و هذا بحد ذاته فضيحة كبرى بالنسبة لهؤلاء.
ثمّ تضيف الآية أنّه سيثبت لكل هؤلاء في ذلك اليوم: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ و أنفقوا كل ملكاتهم و طاقاتهم الحيوية دون جدوى وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ بسبب هذا التكذيب و الإنكار و الإصرار على الذنب، و لأنّ قلوبهم و أرواحهم كانت مظلمة.