الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢ - التّحرك نحو سوح الجهاد مرّة أخرى
منتهى الاستعداد و بناء الشخصية أضف الى كل ذلك أنّ المسافة بين المدينة و أرض الروم كانت بعيدة غاية البعد، و كان الوقت صيفا قائظا، و هو أوان اقتطاف الثمار و حصد الحبوب و الغلات.
هذه الأمور اجتمعت بعضها الى بعض فصعب على المسلمين الخروج للقتال.
حتى أنّ بعضهم تردد في استجابته لدعوة الرّسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلّم.
فالآيتان- محل البحث- نزلتا في هذا الظرف، و أنذرتا المسلمين بلهجة صارمة لمواجهة هذه المعركة الحاسمة. [١]
التّفسير
التّحرك نحو سوح الجهاد مرّة أخرى
كما أشرنا آنفا في شأن نزول الآتين، فإنّهما نزلتا في غزوة «تبوك».
و تبوك منطقة بين المدينة و الشام، و تعدّ الآن من حدود الحجاز، و كانت آنئذ على مقربة من أرض الروم الشرقية المتسلطة على الشامات. [٢] و قد حدثت هذه الواقعة في السنة التاسعة للهجرة، أي بعد سنة من فتح مكّة تقريبا.
و بما أن المواجهة في هذا الميدان كانت مواجهة لإحدى الدول الكبرى في ذلك العصر، لا مواجهة لإحدى القبائل العربية، فقد كان جماعة من المسلمين قلقين مشفقين من المساهمة و الحضور في هذه المواجهة، و لذلك فقد كانت الأرضية مهيأة لوساوس المنافقين و بذر السموم، فلم يألوا جهدا في إضعاف
[١]- ذكر شأن النّزول هذا جماعة من المفسّرين كالطبرسي في مجمع البيان، و الفخر الرازي في تفسيره الكبير، و الآلوسي في روح المعاني.
[٢]- الفاصلة بين تبوك و المدينة ٦١٠ كم و الفاصلة بينها و بين الشام ٦٩٢ كم.