الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٠ - رسالة النّبي
جاء نظيره في بداية سورة البقرة، يعتبر من التعبيرات الجميلة و اللطيفة في القرآن، و هو كناية عن عظمة و رفعة مفاهيم القرآن، لأنّ المطالب اليسيرة و البسيطة يشار لها غالبا باسم الإشارة القريب، أمّا المطالب المهمّة العالية المستوى، و التي تعانق السحاب في علو أفقها، فإنّها تبيّن باسم الإشارة البعيد.
إنّ توصيف الكتاب السماوي- أي القرآن- بأنّه (حكيم) هو إشارة إلى أن آيات القرآن محكمة و منظمة و دقيقة، بحيث لا يمكن أن يأتيها أو يخالطها أي شكل من أشكال الباطل و الخرافة، فهي لا تقول إلّا الحق، و لا تدعو إلّا إلى طريق الحق.
أمّا الآية الثّانية فإنّها تبيّن- و لمناسبة تلك الإشارة التي مرّت إلى القرآن و الوحي الإلهي في الآية السابقة- واحدا من إشكالات المشركين على النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و هو نفس الإشكال الذي جاء في القرآن بصورة متكررة. و هذا التكرار يبيّن أن هذا الإشكال من إشكالات المشركين المتكررة، و هو: لماذا نزل الوحي الإلهي من اللّه على إنسان مثلهم؟ و لماذا لم تتعهد الملائكة بمسؤولية هذه الرسالة الكبيرة؟ فيجيب القرآن عن هذه الأسئلة فيقول: أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ.
الواقع أنّ كلمة «منهم» تضمنت الجواب على سؤالهم، أي إنّ القائد و المرشد إذا كان من جنس أتباعه، و يعلم أمراضهم، و مطلع على احتياجاتهم، فلا مجال للتعجب، بل العجب أن يكون القائد من غير جنسهم، بحيث يعجز عن قيادتهم نتيجة عدم اطلاعه على وضعهم.
ثمّ تشير إلى محتوى الوحي الإلهي. و تلخصه في أمرين:
الأوّل: إنّ الوحي الذي أرسلناه، مهمته إنذار الناس و تحذيرهم من عواقب الكفر و المعاصي: أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ.
و الثّاني: هو وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
و في الوقت الذي يوجد بحث بين المفسّرين في المقصود من «قدم الصدق»، إلّا