الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧١ - العذاب الإلهي و اختيارات الرّسول
تتضمن جواب النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم شاهدة على هذا المطلب.
على كل حال، فإنّ هؤلاء أرادوا بهذه الكلمات أن يظهروا عدم اهتمامهم بتهديدات النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم من جهة، و تقوية قلوب الذين خافوا من هذه التهديدات و تهدئة خواطرهم ليرجعوا إلى صفوفهم.
و في مقابل هذا السؤال، فإنّ اللّه سبحانه أمر نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يجيبهم بعدّة طرق:
فيقول أوّلا: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فإنّي لست إلّا رسوله و نبيّه، و إنّ تعيين موعد نزول العذاب بيده فقط، و إذا كنت لا أملك لنفسي نفعا و لا ضرا، فمن باب الأولى أن لا أملكهما لكم.
إنّ هذه الجملة في الحقيقة إشارة إلى توحيد الأفعال حيث يرتبط كل شيء في هذا العالم باللّه سبحانه، و كل الحركات و الأفعال معلولة لإرادته و مشيئته، فهو الذي ينصر المؤمنين بحكمته، و هو الذي يجازي المنحرفين بعدالته.
من البديهي أنّ ذلك لا ينافي أنّ اللّه قد أعطانا قوى و طاقات نملك بواسطتها جلب النفع و دفع الضرر، و نستطيع أن نختار ما يتعلق بمصيرنا، و بتعبير آخر فإنّ هذه الآية تنفي الملكية بالذات لا بالغير، و جملة إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قرينة واضحة على هذا الموضوع.
و من هنا يعلم أنّ استدلال بعض المتعصبين- ككاتب تفسير المنار- بهذه الآية على نفي جواز التوسل بالنّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم ضعيف جدّا، لأنّه إذا كان المقصود من التوسل أن نعتبر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم ذا قدرة ذاتية و مالكا للنفع و الضر، فإنّ هذا شرك قطعا، و لا يمكن أن يؤمن بهذا أي مسلم، أمّا إذا كانت هذه الملكية من اللّه سبحانه و هي داخلة تحت عنوان: إلّا ما شاء اللّه، فما المانع من ذلك؟ و هذا هو عين الإيمان و التوحيد. إلّا أنّه نتيجة الغفلة عن هذه النكتة أتلف وقته و وقت قرّاء تفسيره بالبحوث الطويلة، و هو مع الأسف (رغم كل الامتيازات الموجودة في تفسيره) قد ارتكب كثيرا من هذه الأخطاء، و التي يمكن اعتبار التعصب منبعها جميعا!