الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢ - الكسالى الطّامعون
أي إن كنتم تعلمون بأنّ الجهاد مفتاح عزتكم و رفعتكم و منعتكم.
و لو كنتم تعلمون بأنّ أية أمّة في العالم لن تصل بدون الجهاد إلى الحرية الواقعية و العدالة.
و لو كنتم تعلمون بأنّ سبيل الوصول إلى مرضاة اللّه و السعادة الأبدية و أنواع النعم و المواهب الإلهية، كل ذلك إنّما هو في هذه النهضة المقدسة العامّة و التضحية المطلقة.
ثمّ يتناول القرآن ضعاف الإيمان الكسالى الذين يتشبثون بالحجج الواهية للفرار من ساحة القتال، فيخاطب النّبي مبيّنا واقعهم فيقول: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ [١] وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [٢] و العجيب أنّهم لا يكتفون بالأعذار الواهية، بل وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ. فعدم ذهابنا إلى ساحات القتال إنّما هو لضعفنا و عدم اقتدارنا و ابتلائنا!! يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ.
فهم قادرون على الذهاب إلى ساحات القتال، لكن حيث أن السفر ذو مشقة، و يواجهون صعوبة و حرجا، فإنّهم يتشبثون بالكذب و الباطل.
و لم يكن هذا الأمر منحصرا بغزوة تبوك و عصر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم فحسب، ففي كل مجتمع فئة من الكسالى و المنافقين و الطامعين و الانتهازيين الذين ينتظرون لحظات الإنتصار ليقحموا أنفسهم في الصفوف الأولى، و يصرخوا بعالي الصوت أنّهم المجاهدون الأوائل و المخلصون البواسل، لينالوا ثمرات جهود الآخرين في انتصارهم دون أن يبذلوا أيّ جهد! غير أنّ هؤلاء «المجاهدين» المخلصين!! كما يزعمون، حين يواجهون
[١] العرض ما يعرض و يزول عاجلا و لا دوام له، و يطلق عادة على مواهب الدنيا المادية، و القاصد معناه السهل. لأنّه في الأصل من قصد، و الناس يسعون في قصدهم إلى المسائل السهلة.
[٢] الشقة تعني الأرض الصخرية أو الطريق الطويل البعيد الذي يجلب على عابره المشقة و النصب.