الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٣ - جانب من جهاد موسى و هارون
و أبطل تهمتهم، ففي البداية: قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا [١].
صحيح أنّ لكلّ من السحر و المعجزة نفوذا و تأثيرا، و أن من الممكن أن يؤثر الحق و الباطل على إدراكات الناس و نفسياتهم، إلّا أن السحر الذي هو أمر باطل يتميز تماما عن المعجزة التي هي حق، إذا لا يمكن المقارنة بين نفوذ الأنبياء و نفوذ السحرة، فإنّ أعمال السحرة تفتقد الى الهدفية و محدودة و لا قيمة لها، و معجزات الأنبياء لها أهداف إصلاحية و تغييرية و تربوية واضحة، و تعرض بشكل واسع و غير محدود.
إضافة إلى أنّه: وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ و هذا التعبير دليل آخر على امتياز عمل الأنبياء عن السحر. ففي الدليل السابق أثبت اختلاف السحر و المعجزة و وجه و هدف الإثنين و افتراق أحدهما عن الآخر، أمّا هنا فإنّ الدليل يستعين لإثبات المطلب باختلاف حالات السحرة و أصحاب المعاجز.
إنّ السحرة، و بحكم عملهم و فنهم الذي له صفة الانحراف و الإغفال، أفراد انتهازيون يفكرون في الربح، يستغفلون الناس و يخادعونهم، و يمكن معرفتهم من خلال أعمالهم. أمّا الأنبياء فهم رجال يطلبون الحق، حريصون على هداية الناس، مطهرون، لهم هدف و غاية، و لا يهتمون بالأمور المادية.
إن السحرة لا يرون وجه الفلاح مطلقا، و لا يعملون إلّا من أجل المال و الثروة و المنصب و المنافع الشخصية، في حين أن هدف الأنبياء هداية خلق اللّه و إصلاح المجتمع الإنساني من جميع جوانبه المادية و المعنوية.
ثمّ يستمر فرعون و ملؤه في رمي موسى عليه السّلام بسيل الاتهامات الصريحة، حيث قالُوا: أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا. الواقع، أنهم قدموا صنم «سنة الآباء» و عظمتهم الخيالية و الأسطورية حتى يوجهوا الرأي العام ضد موسى و هارون،
[١] الواقع، أنّ للجملة أعلاه محذوف مقدر يفهم من مجموع الكلام، و كانت في الأصل هكذا: أ تقولون للحق لما جاءكم سحر، أسحر هذا.