الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٥ - عظمة دعوة القرآن و حقانيته
أنّهم طلبوا من النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يأتي بغير هذا القرآن، أو يغيره على الأقل، و هذا بنفسه دليل على أنّهم كانوا يظنون أن القرآن من تأليف النّبي! فالآية الأولى تقول: وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ و اللطيف هنا أنّها بدل أن تنفي هذا الأمر نفيا بسيطا، نفته نفيا شأنيا، و هذا يشبه تماما أن يقول شخص ما في مقام الدفاع عن نفسه: ليس من شأني الكذب، و هذا التعبير اعمق و أكثر معنى من أن يقول: إنّي لا أكذب.
ثمّ تتطرق الآية إلى ذكر الدليل على أصالة القرآن و كونه و حيا سماويا: فتقول وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي إنّ كل البشارات و الدلالات الحقّة التي جاءت في الكتب السماوية السابقة تنطبق على القرآن و من جاء به تماما، و هذا بنفسه يثبت أنّه ليس افتراء على اللّه بل هو حق، و أساسا فإنّ القرآن شاهد على صدق محتواه من باب أنّ طلوع الشمس دليل على الشمس.
و من هنا يتّضح زيف الذين استدلوا بمثل هذه الآيات على عدم تحريف التّوراة و الإنجيل، لأنّ القرآن الكريم لم يصدق ما كان موجودا في هذه الكتب في عصر النزول، بل إنّه أيّد العلامات الواردة في هذه الكتب حول النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و القرآن. و قد بيّنّا توضيحات أكثر في هذا الباب في المجلد الأوّل من هذا التّفسير في ذيل الآية (٤١) من سورة البقرة.
ثمّ تذكر الآية دليلا آخر على أصالة هذا الوحي السماوي و هو: إنّ في هذا القرآن شرح كتب الأنبياء السابقين الأصيلة، و بيان أحكامهم الأساسية و عقائدهم الأصولية، و لهذا فلا شك في كونه من اللّه تعالى، فتقول: وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ و بتعبير آخر: لا يوجد فيه أي تضاد و تناقض مع برامج و أهداف الأنبياء السابقين، بل يلاحظ فيه تكامل تلك التعليمات و البرامج، و إذا كان هذا القرآن مختلقا فلا بدّ أن يخالفها و يناقضها.
و من هنا نعلم أنّه لا يوجد أي اختلاف بين الكتب السماوية في أصول