الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٣ - ملاحظات
يتبع كلّهم بدل أكثرهم، لأنّا نعلم أنّ جميع المشركين شركاء في هذا الظن الباطل، حيث يعتقدون أنّ الأصنام آلهة بحق و تملك النفع و الضرر و تشفع عند اللّه، و لهذا فإنّ البعض اضطر إلى تفسير كلمة «أكثرهم» بأنّها تعني «جميعهم»، و ذهب أن هذه الكلمة جاءت أحيانا بهذا المعنى.
إلّا أنّ هذا الجواب غير وجيه، و الأفضل أن نقول: إن المشركين صنفان: صنف يشكل الأكثرية، و هم الأفراد الخرافيون الجهلاء الذين وقعوا تحت تأثير الأفكار الخاطئة، و اختاروا الأصنام لعبادتها.
أمّا القسم الثّاني، و هم الأقلية، فهم الزعماء و أئمّة الكفر الواعون لحقيقة الأمر و المطّلعون على عدم صحة عبادة الأصنام و أنّها لا أساس لها، و إلّا أنّهم يدعون الناس لعبادتها حفظا لمصالحهم، و لهذا السبب فإنّ اللّه يجيب الصنف الأوّل فقط لأنّهم مؤهلين للهداية، أمّا الصنف الثّاني فلم يعبأ بهم مطلقا لأنّهم سلكوا هذا الطريق عن علم و وعي.
٤- يعتبر جماعة من علماء الأصول هذه الآية و أمثالها دليلا على أن الظن لا يمكن أن يكون حجة و سندا بأي وجه من الوجوه، و أن الأدلة القطعية هي الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها.
إلّا أنّ جماعة أخرى يقولون: إنّنا نلاحظ بين الادلة الفقهية أدلّة ظنية كثيرة، كحجية ظواهر الألفاظ، و شهادة الشاهدين العدلين، أو خبر الواحد الثقة و أمثال ذلك، و لذلك فإنّ الآية المذكورة دليل على أنّ القاعدة الأصلية في مسألة الظن هي عدم حجيته، إلّا أنّ تثبت حجيته بالدليل القطعي كالأمثلة أعلاه.
إلّا أنّ الحق هو أنّ الآية أعلاه تتحدث عن الظنون و الأوهام التي لا أساس لها، كظنون و أوهام عبدة الأصنام فقط، و لا علاقة لها بالظن الذي يمكن الاعتماد عليه و الموجود بين العقلاء، و بناء على هذا فإنّ هذه الآية و أمثالها لا يمكن الاستناد إليها بأي وجه في مسألة عدم حجية الظن. فتدبر جيدا.