الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٥ - بداية النّهاية
و في الآيات محل البحث إشارة إلى المرحلة الثّالثة من هذه المواجهة، و هي مرحلة انتهاء دورة التبليغ و التهيؤ للتصفية الإلهية.
ففي الآية الأولى نقرأ ما معناه: يا نوح، إنّك لن تجد من يستجيب لدعوتك و يؤمن باللّه غير هؤلاء: وَ أُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ.
و هي إشارة إلى أنّ الصفوف قد امتازت بشكل تام، و الدعوة للإيمان و الإصلاح غير مجدية، فلا بدّ إذا من الاستعداد لتصفية و التحول النهائي.
و في نهاية الآية تسلية لقلب نوح عليه السّلام أن لا تحزن على قومك حين تجدهم يصنعون مثل هذه الأعمال فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ و نستفيد من هذه الآية- ضمنا- أنّ اللّه يطلع نبيّه نوحا على قسم من أسرار الغيب بمقدار ما ينبغي، كما نجد أنّ اللّه تعالى يخبره بأنّه لن يؤمن بدعوته في المستقبل غير أولئك الذين آمنوا به من قبل، و على كل حال لا بدّ من إنزال العقاب بهؤلاء العصاة اللجوجين ليطهر العالم من التلوّث بوجودهم، و ليكون المؤمنون في منأى عن مخالبهم، و هكذا صدر الأمر بإغراقهم، و لكن لا بدّ لكل شيء من سبب، فعلى نوح أن يصنع السفينة المناسبة لنجاة المؤمنين الصادقين لينشط المؤمنون في مسيرهم أكثر فأكثر، و لتتم الحجّة على غيرهم بالمقدار الكافي أيضا.
و جاء الأمر لنوح أن ... اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا.
إنّ المقصود من كلمة «أعيننا» إشارة إلى أن جميع ما كنت تعمله و تسعى بجد من أجله في هذا المجال هو في مرءاي و مسمع منّا، فواصل عملك مطمئن البال.
و طبيعي أنّ هذا الإحساس بأنّ اللّه حاضر و ناظر و مراقب و محافظ يعطي الإنسان قوة و طاقة، كما أنّه يحسّ بتحمل المسؤولية أكثر.
كما يستفاد من كلمة «وحينا» أيضا أن صنع السفينة كان بتعليم اللّه، و ينبغي أن يكون كذلك، لأنّ نوحا عليه السّلام لم يكن بذاته ليعرف مدى الطوفان الذي سيحدث في المستقبل ليصنع السفينة بما يتناسب معه، و إنّما هو وحي اللّه الذي يعينه في