الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦ - وقف القتال «الإجباري»
و يستفاد من بعض الرّوايات أن تحريم القتال في هذه الأشهر الحرم، كان مشرّعا في الديانة اليهودية و المسيحية و سائر الشرائع السماوية، إضافة الى شريعة إبراهيم الخليل عليه السّلام. و لعلّ التعبير ب ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ إشارة الى هذه اللّطيفة، أي أنّ هذا التحريم كان في أوّل الأمر على شكل قانون ثابت:
ثمّ تقول الآية: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ.
إلّا أنّه لمّا كان تحريم هذه الأشهر قد يتخذ ذريعة من قبل العدو لمهاجمة المسلمين فيها، فقد عقبت الآية بالقول: وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً فبالرغم من أنّ هؤلاء مشركين و الشرك أساس التشتت و التفرقة، إلّا أنّهم يقاتلونكم في صف واحد، «كافة» فينبغي عليكم أن تقاتلوهم كافة، فذلك منكم أجدر لأنّكم موحّدون فلا بدّ من توحيد كلمتكم أمام عدوكم و لتكونوا كالبنيان المرصوص.
و تختتم الآية بالقول: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
و في الآية الثّانية- من الآيتين محل البحث- إشارة الى إحدى السنن الخاطئة في الجاهلية، و هي سنة النسيء «تغيير الأشهر الحرم» إذ تقول الآية: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ففي أحد الأعوام يقرّرون حليّة الشهر الحرام و يحرمون أحد الأشهر الحلال للمحافظة على العدد أربعة يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ! فهؤلاء يضيعون بتصرفهم هذا فلسفة تحريم الأشهر، و يتلاعبون بحكم اللّه بحسب ما تمليه عليهم أهواؤهم، و العجيب أنّهم يرضون عن عملهم، و فعلهم هذا كما تقول الآية: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ.
فهم يغيرون الأشهر الحرم و يبدلونها، و يعدّون ذلك تدبيرا لحياتهم و معاشهم، أو يتصوّرون أنّ طول فترة إيقاف القتال يقلل من حماس المقاتلين فلا بدّ من إثارة الحرب ....