الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٧ - جانب من جهاد نوح
و مع أنّ بعض المفسّرين اعتبر تعبير نوح هذا أو أمثاله في تاريخ سائر الأنبياء نوعا من الإعجاز، لأنّهم مع عدم امتلاكهم الإمكانيات الظاهرية فإنّهم كانوا يهدّدون العدو بالهزيمة، و أعلنوا خبر انتصارهم النهائي، و هذا لا يمكن قبوله إلّا عن طريق الإعجاز، إلّا أنّ هذا على كل حال درس كبير لكل القادة الإسلاميين بأن لا يخافوا و لا ينهاروا أمام عظمة الأعداء و كثرتهم، بل إنّهم باتكالهم على اللّه كانوا يدعون هؤلاء إلى الميدان بكل حزم و اقتدار و يستصغرون قوتهم، فكان هذا عاملا مهمّا في تقوية معنويات الأتباع و المؤيدين، و تدمير معنويات العدو و انهيارها.
و ذكرت الآية التّالية بيانا آخر عن نوح من أجل إثبات أحقيته، هناك حيث تقول: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ [١] إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، فإنّي أعمل له، و لا أريد الأجر إلّا منه وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
إنّ مقولة نوح هذه درس آخر للقادة الإلهيين بأن لا يتوقعوا أي جزاء مادي و معنوي من الناس لقاء دعوتهم و تبليغهم، لأنّ هذا التوقع يوجد نوعا من التعلق النفسي الذي يؤدي الى عرقلة أساليب الدعوة الصريحة و النشاطات الحرة، و من الطبيعي عن ذلك أن يقلّ تأثير دعوتهم و إبلاغهم، و لهذا السبب فإنّ الطريق الصحيح في الدعوة إلى الإسلام أن يعتمد المبلّغون و الداعون في إدارة أمورهم المعاشية على بيت المال فقط، لا بالاحتجاج إلى الناس! و تبيّن الآية الأخيرة عاقبة و مصير أعداء نوح، و صدق توقعه و قوله السابق بهذه الصورة: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ [٢] و لم ننقذهم و حسب، بل
[١] جواب هذا الشرط محذوف أيضا، و تقديره: فإن توليتم فلا تضروني، أو: فإن توليتم فأنتم و شأنكم.
[٢] «الفلك» بمعنى السفينة، و الفرق بينها و بين السفينة أن سفينة مفرد و جمعها سفائن أم الفلك فإنّها تطلق على المفرد و الجمع.