الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٢ - الموعظة و النصيحة
نظامها على المبدأ الأزلي للعالم. و ستتعرفون أكثر على خالق هذه الكائنات.
إنّ هذه الجملة تنفي بوضوح مسألة الجبر و سلب حرية الإرادة، فهي تقول: إنّ الإيمان هو نتيجة التدبر في عالم الخلقة، أي إنّ هذا الأمر في اختياركم.
ثمّ تضيف أنّه رغم كل هذه الآيات و العلامات الدالّة على الحق، فلا داعي للعجب من عدم إيمان البعض، لأنّ الآيات و الدلالات و الإنذارات تنفع الذين لهم الاستعداد لتقبل الحق، أمّا هؤلاء فإنّه وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [١].
إنّ هذه الجملة إشارة إلى الحقيقة التي قرأناها مرارا في القرآن، و هي أن الدلائل و كلمات الحق و المواعظ لا تكفي لوحدها، بل إنّ الأرضية المستعدة شرط أيضا في حصول النتيجة.
ثمّ تقول- بنبرة التهديد المتلبسة بلباس السؤال و الاستفهام-: هل ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون إلّا أن يروا مصيرا كمصير الأقوام الطغاة و المتمردين السابقين الذين عمهم العقاب الإلهي. مصير كمصير الفراعنة و النماردة و شدّاد و أعوانهم و أنصارهم؟! فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ.
و تحذرهم الآية أخيرا فتقول: يا أيّها النّبي قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فأنتم بانتظار هزيمة دعوة الحق، و نحن بانتظار المصير المشؤوم الذي ستلاقونه، مصير المتكبرين الماضين.
و ينبغي الالتفات إلى أنّ الاستفهام في جملة فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ استفهام إنكاري، أي إنّ هؤلاء بطبيعة سلوكهم هذا لا يمكن أن ينتظروا إلّا حلول مصير مشؤوم
[١] نذر جمع نذير، أي المنذر، و هو كناية عن الأنبياء و القادة الإلهيين، أو هي جمع إنذار، بمعنى تحذير و تهديد الغافلين و المجرمين الذي هو من برامج هؤلاء القادة الإلهيين.
و قد اعتبر البعض (ما) جملة ما تُغْنِي الْآياتُ نافية، و البعض جعلها بمعنى الاستفهام الإنكاري، و هي واحدة من حيث النتيجة، إلّا أنّ الظاهر أن (ما) نافية.