الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٦ - هو الشاهد في كل مكان!
الأشياء المضرة و الخبيثة المستثناة- محللة هو بنفسه نعمة إلهية كبرى، و إنّ كثيرا من الناس بدل أن يؤدوا شكر هذه النعمة، فإنّهم يكفرون بها، و يحرّمون أنفسهم من هذه النعمة بأحكامهم الخرافية و ممنوعاتها.
و حتى لا يتصور أحد أنّ هذه المهلة الإلهية دليل على عدم إحاطة علم اللّه سبحانه بكل أعمال هؤلاء، فإنّ آخر آية من آيات البحث تبيّن هذه الحقيقة بأبلغ عبارة و توضح أن اللّه مطلع على كل ذرات الموجودات في خفايا السماء و الأرض، و مطلع على دقائق أعمال العباد، فتقول: وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [١].
«الشهود» جمع شاهد، و هو في الأصل بمعنى الحضور المقترن بالمشاهدة بالعين أو القلب أو الفكر، و التعبير بالجمع إشارة إلى أنّ اللّه سبحانه ليس وحده المراقب لأعمال البشر، بل إنّ الملائكة المطيعين لأمره مطلعون أيضا على كل هذه الأعمال و ناظرون إليها.
و كما أشرنا سابقا، فإنّ التعبير بصيغة الجمع في حق اللّه سبحانه مع أنّ ذاته المقدسة أوحدية من جميع الجهات، إشارة إلى عظمة مقامه، و أن له دائما مأمورين مطيعين مستعدين لتنفيذ أمره و الواقع فإن الكلام ليس عن اللّه وحده، بل عنه و عن كل هؤلاء المأمورين المطيعين.
ثمّ تعقب الآية على مسألة اطلاع اللّه على كل شيء بتأكيد أكبر، فتقول: وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
«يعزب» مأخوذة من العزوب، و هو في الأصل بمعنى الابتعاد عن البيت و الأهل في سبيل إيجاد و تهيئة المراتع للأغنام و الحيوانات، ثمّ استعملت بمعنى الغيبة
[١] لقد أرجع البعض ضمير (منه) إلى اللّه، أي إن الآيات التي تتلوها من اللّه، إلّا أن الضمير يرجع إلى الشأن أو القرآن ظاهرا، كما قاله كثير من المفسّرين، أي الآيات التي تتلوها في كل عمل مهم، أو الآيات التي تتلوها من القرآن.