الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٢ - هل كان النّبي شاكّا؟!
و يحتمل أيضا أنّ الآية أعلاه تطرح بحثا جديدا و مستقلا في صدق دعوة النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و تعلم المخالفين أنّهم إن كانوا في شك من أحقيته فليسألوا أهل الكتاب عن علاماته التي نزلت في الكتب السابقة كالتّوراة و الإنجيل.
و نقل سبب آخر للنزول في بعض التفاسير [١] يؤيد هذا المعنى، و هو أن جمعا من كفار قريش كانوا يقولون: إنّ هذا القرآن لم ينزل من اللّه، بل إنّ الشيطان يلقيه على محمّد!! و قد سبب هذا الكلام أن يقع عدّة أشخاص في وادي الشك و التردد، فأجابهم بهذه الآية.
هل كان النّبي شاكّا؟!
يمكن أن يتراءى للنظر في البداية أنّ هذه الآيات تحكي عن أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان شاكّا في صدق الآيات التي كانت تنزل عليه، و أنّ اللّه سبحانه قد أزال شكّه عن الطريق أعلاه.
و لكن واقع الأمر أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان يتلقى مسألة الوحي مع الشهود و المشاهدة- كما تحكي آيات القرآن هذا المعنى- و معه لا يبقي أي معنى للشك في هذا المورد. إضافة إلى أنّ هذا الأسلوب من خطاب القريب من أجل تنبيه البعيد رائج في العرف، و هذا هو المراد من المثل المعروف: إيّاك أعني و اسمعي يا جارة، و تأثير مثل هذا الكلام أكبر من الخطاب الصريح في كثير من الموارد.
إضافة إلى أن ذكر الجملة الشرطية لا يدل دائما على احتمال وجود الشرط، بل هو للتأكيد على مسأله ما أحيانا، أو لبيان قانون كلي عام، فنقرأ مثلا في الآية (٢٣) من سورة الإسراء: وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ و ينبغي الانتباه إلى أنّ المخاطب في الآية هو النّبي ظاهرا، إلّا أنّه لما كان النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم فقد أباه قبل ولادته و أمّه في
[١] تفسير أبي الفتوح الرازي، الجزء ٦، ص ٢٢٧ ذيل الآية.