الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٥ - هبوط نوح بسلام
فعلى هذا ليس انتخاب الأصلح من الناس أو إصلاح الناس عن طريق الطوفان هو آخر الانتخاب و آخر الإصلاح، بل ستبلغ مرحلة جديدة من بني آدم أيضا يصلون بها الذروة من الرشد و التكامل، و لكن الناس قد يسيئون الاستفادة من حرية الإرادة و يستخدمونها في طريق الشرّ و الفساد، فينالون جزاءهم في هذه الدنيا كما ينالون العذاب في الأخرى.
الطريف في الآية أنّها تقول سَنُمَتِّعُهُمْ ثمّ تتحدث عن العذاب مباشرة. و في ذلك إشارة إلى أن الاستمتاع ينبغي أن يكون مدعاة للشكر و الثناء على نعم اللّه و طاعته، و لكن غالبا ما يزيد المتنعمين طغيانا و كفرا و يقطعون العلاقة بينهم و بين اللّه.
و ينقل العلّامة الطبرسي في مجمع البيان في ذيل الآية أنّ بعض المفسّرين يقول في قوله: «نمتعهم» إلخ: هلك المستمتعون في الدنيا لأنّ الجهل يغلب عليهم و الغفلة فلا يتفكرون إلّا في الدنيا و عمارتها و ملذاتها.
هذا الواقع يرى جيدا في الدول المتنعمة و المتموّلة في هذا العالم، حيث يغوص أهلوها بالفساد فلا يفكرون في المستضعفين- فحسب-، بل نراهم يوما بعد آخر يحاولون الكيد بهم و إراقة دمائهم أكثر فأكثر، لذلك كثيرا ما يتفق أن ينزل اللّه عليهم الحروب و الحوادث الأليمة التي تسلب النعم مؤقتا لعلهم يفيقون من غفلتهم.
و في آخر آية تختم بها قصّة نوح- في هذه السورة- إشارة كلية عامّة إلى ما حدث في عهد نوح فتقول: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا.
فالخطاب هنا للنّبي محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم يؤكّد عليه أن يصبر و يستقيم كما صبر و استقام نوح عليه السّلام عند ما واجه المشاكل، و هكذا تكون عاقبة الصبر النصر فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.