الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٦ - جانب من جهاد نوح
قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَ تَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ و لهذا فإنّي لا أخاف غيره. ثمّ تضيف: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ أي ادعوا أصنامكم أيضا لتعينكم في المشورة، حتى لا يبقى شيء خافيا على أحد و لا يتعرض منكم الى الهم و الغم أحد ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً بل اتّخذوا قراركم في شأني بكل وضوح.
«غمّة» من مادة غم، و هي تعني خفاء الشيء و تغطيته، و إنّما يقولون للحزن: غمّ أيضا لأنّه يغطي قلب الإنسان.
ثمّ يقول: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ [١].
إنّ نوحا رسول اللّه الكبير صمد مقابل أعدائه الأقوياء المعاندين و واجههم بقاطعية و حزم و في منتهى الشجاعة و الشهامة مع أصحابه القليلين الذين كانوا معه، و كان يستهزئ بقواهم و يريهم عدم اهتمامه بخططهم و أفكارهم و أصنامهم، و بهذه الطريقة كان يوجه ضربة نفسية عنيفة إلى أفكارهم.
و إذا علمنا أنّ هذه الآيات نزلت في مكّة في الوقت الذي كان يعيش فيه النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم ظروفا تشبه ظروف نوح، و كان المؤمنون قلّة، سيتّضح أنّ القرآن يريد أن يعطي للنّبي- أيضا- نفس هذا الدرس بأنّ لا يهتم بقدرة العدو، بل يسير و يتقدم بكل حزم و جرأة و شجاعة، لأنّ اللّه يسنده و ينصره، و لا تستطيع أية قوّة أن تقف في مقابل قدرته.
[١] هناك بحث بين المفسّرين في أنّه ما هو جزاء شرط جملة إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ؟ و من بين الاحتمالات التي طرحوها يبدو للنظر أن اثنين منها هما الأقرب: الأوّل: إنّ جملة فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ هي جزاء الشرط، و إن جملة:
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جملة معترضة فصلت بين الشرط و الجزاء.
الثّاني: إنّ الجزاء محذوف و الجمل التالية تدل على ذلك، و التقدير هكذا: فافعلوا ما تريدون فإنّي متوكل على اللّه. في الواقع، إنّ جملة: فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ من قبيل العلة حلت محل المعلول، و (شركاءكم) في الجملة التالية إشارة إلى الأصنام، و الواو قبلها بمعنى مع. (فتدبر جيدا).